فهرس الكتاب

الصفحة 903 من 1465

وبه قال:

558 - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ) بضم الكاف، محمد بن العلاء (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) بضم الهمزة، حماد بن أسامة (عَنْ بُرَيْدٍ) مصغر برد، ابن عبد الله بن أبي بردة الكوفي.

(عَنْ) جده (أَبِي بُرْدَةَ) عامر (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنه قال: (مَثَلُ الْمُسْلِمِينَ) المثل بفتحتين بمعنى المِثْل بكسر فسكون والنظير ثم استعير لكل حال أو قصة أو صفة لها شأن، وفيها غرابة لإرادة زيادة التوضيح والتقرير، فإنه أوقع في القلب وأقمع للخصم يريك المتخيل متحققًا ويبرز المعقول في صورة المحسوس.

ولذا أكثر الله تعالى في كتابه الأمثال قال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت:43] ، واشتهرت في كلام الأنبياء وفشت في كلام البلغاء، والمعنى هنا: مثل المسلمين مع نبيهم.

(ومثل َالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى) مع أنبيائهم (كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا، يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلًا إِلَى اللَّيْلِ) واستشكل بأن قياس التشبيه أن يقال: كمثل أقوام استأجرهم رجل.

وأجيب: بأنه ليس من تشبيه المفرد بالمفرد ليجب دخول الكاف على المشبه به، بل هو من تشبيه مركب بمركب، فالمشبه والمشبه به المجموعان الحاصلان من الطرفين فالمثل مضروب للأمة مع نبيهم، والممثل به الإجراء مع من استأجرهم، كذا في القسطلاني.

وفيه نظر إذ الأمثال عند علماء البيان من قبيل الاستعارة التمثيلية كقولهم: إني أراك تقدم رجلًا وتؤخر أخرى، وضرب الله مثلًا قرية كانت آمنة مطمئنة، والاستعارة لا يذكر فيها أداة تشبيه والتشبيه المركب كما في قول بشار:

~كأن مثار النقع فوق رؤوسنا وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه

لم يقل أحد من أرباب المعاني أنه مثل فليحرر.

(فَعَمِلُوا إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ فَقَالُوا: لاَ حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ) أي: لا حاجة لنا داعية إلى أجرتك التي اشترطتها لنا.

وقال القسطلاني: في أجرتك، فأشار إلى أن (( إلى ) )هنا بمعنى في، قال ابن مالك: ويمكن أن يكون منه {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [النساء:87] .

قال في (( المغني ) ): ولو صح مجيء (( إلى ) )بمعنى في لجاز زيد إلى الكوفة.

(فَاسْتَأْجَرَ قومًا آخَرِينَ) بفتح الخاء وكسر الراء (فَقَالَ) لهم: (أَكْمِلُوا) بهمزة قطع من الإكمال، وللكشميهني: بهمزة وصل من العمل.

(بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ وَلَكُمُ الَّذِي شَرَطْتُ) لهؤلاء من الأجر (فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا كَانَ حِينَ صَلاَةِ الْعَصْرِ) بنصب (( حين ) )خبرًا لكان واسمها ضمير الزمان، وبرفعه على أنه فاعل و (( كان ) )تامة (قَالُوا) أي: المستأجرون ثانيًا.

(لَكَ مَا عَمِلْنَا) أي: أجر ما عملنا الذي شرطته لنا لا حاجة لنا به (فَاسْتَأْجَرَ قَوْمًا) أي: فريقًا ثالثًا بما شرطه للفريقين (فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الْفَرِيقَيْنِ) الأولين اللذين لم يتموا العمل، وأعرضوا عنه وتركوا ما خص عملهم من الأجرة، فهذا مثل ضربه النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين الذين قبلوا هدى الله وما جاء به رسوله عليه السلام.

ومثل اليهود والنصارى الذين حرفوا وكفروا بمن بعد نبيهم من الأنبياء؛ بخلاف الفريقين السابقين فإنهم أعطوا قيراطًا قيراطًا؛ لأنهم كانوا إذ ذاك على هدى قبل أن ينسخ دينهم وماتوا قبل النسخ فعذرهم ظاهر؛ بخلاف من أدركوا الإسلام ولم يؤمنوا فلا عذر لهم، فحديث ابن عمر وحديث أبي موسى قضيتان مختلفتان وقد حاول بعضهم الجمع بينهما فتعسف.

وقال ابن رشيد ما حاصله: أن حديث ابن عمر ذكر مثالًا لأهل الأعذار لقوله: فعجزوا فأشار إلى أن من عجز عن استيفاء العمل من غير أن يكون له صنع في ذلك أن الأجر يحصل له تامًا فضلًا من الله تعالى.

قال: وذكر حديث أبي موسى مثالًا لمن أخر بغير عذر، وإلى ذلك الإشارة بقوله عنهم: (( لا حاجة لنا إلى أجرك ) )فأرشد بذلك إلى أن من أخر عامدًا لا يحصل له ما حصل لأهل الأعذار انتهى.

وعبر بالعجز تسمحًا لكونهم لم يستوفوا عمل النهار كله، وإن استوفوا عمل ما قدر لهم لكن من أدراك منهم النبي وآمن به أعطي أجره مرتين.

وقال الخطابي: يروى هذا الحديث على وجوه مختلفة، ودل فحواه من رواية سالم عن ابن عمر: أن مبلغ أجرة اليهود لعمل النهار كله قيرطان، وأجرة النصارى من النصف الثاني من النهار إلى الليل قيراطان، ولو تمموا العمل إلى آخر النهار أخذوا قيراطين لكنهم انخزلوا عن العمل ولم يفوا بما ضمنوه فلم يصيبوا إلا قيراطًا قيراطًا.

ثم لما استوفى المسلمون أجرة الفريقين حسدوهم فقالوا: ربنا أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين، ولو لم يكن صورة الأمر على هذا لم يصح هذا الكلام.

وفي حديث أبي موسى زيادة بيان له فقولهم: (( لا حاجة ) )إشارة إلى تحريفهم وتبديلهم الشرائع وانقطاع الطريق بهم عن بلوغ الغاية، فحرموا الآخرة لجنايتهم على أنفسهم حيث امتنعوا من تمام العمل الذي ضمنوه.

وحديث الباب أخرجه المؤلف في الإجارة أيضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت