وبه قال:
557 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) الأويسي نسبة إلى أوس أحد أجداه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد وللأصيلي: بالجمع (إِبْرَاهِيمُ) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: بسكون العين بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي المدني.
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهري (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمر (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.
(أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ) معشر هذه الأمة المحمدية (فِيمَا سَلَفَ) بفتحتين؛ أي: بالنسبة إلى بقاء من تقدم ولذا عبر بـ (( ما ) )وإلا فكأن مقتضى الظاهر في من سلف.
(قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ، كَمَا بَيْنَ صَلاَةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ) أي: أن نسبة مدة إقامتكم في الدنيا بالقياس إلى من كان قبلكم من الأمم كنسبة ما بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس من النهار، فإن النهار مقسم باعتبار أوقات الصلوات ثلاثة أجزاء أعظمها: الجزء الأول من بعد صلاة الصبح إلى وقت الظهر، وهو الزوال، ويليه الجزء الثاني وهو من الزوال إلى مصير ظل كل شيء مثله أو مثليه، وأقلها: الجزء الأخير وهو من العصر إلى الغروب.
(أُوتِيَ) بالبناء للمفعول؛ أي: أعطي (أَهْلُ التَّوْرَاةِ) وهم اليهود (التَّوْرَاةَ) وهي كتاب الله المنزل على موسى صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه، قال في (( الفتح ) ): ظاهره أن هذا كالشرح والبيان لما تقدم من تقدير مدة الزمانين.
(فَعَمِلُوا) زاد أبو ذر: أي: بالتوراة (حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ) بالزوال (عَجَزُوا) بفتح الجيم؛ أي: عن استيفاء عمل النهار كله المأمورين به من غير صنع بل ماتوا قبل نسخ دينهم (فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا) أي: أعطى كل واحد منهم قيراطًا، فقيراطًا منصوب مفعولًا ثانيًا لـ (( أعطوا ) )، وكرر ليدل على التقسيم، وقيل: المفعول الثاني محذوف؛ أي: أجرهم و (( قيراطًا قيراطًا ) )نصب على الحال؛ أي: متساويين كعلمته الحساب بابًا؛ أي: مرتبًا والذي يظهر أن مجموع قيراطًا قيراطًا هو المفعول الثاني لـ (أعطوا ) ) إذ لا يصح في قيراطًا الثاني أن يكون بدلًا ولا تأكيدًا لفظيًا لفساد المعنى، وظهر نصب المفعول الثاني في كل من اللفظين دفعًا للتحكم، وهذا كقولهم في الخبرين اللذين هما بمنزلة خبر واحد الرمان حلو حامض، فأعطى الرفع الذي يستحقه الخبر لكل من اللفظين دفعًا للتحكم؛ لأنهما بمعنى خبر واحد وهو مز، وليس هذا من تعدد الخبر كقولك: زيد كاتب شاعر؛ لأنه لو كان كذلك لصح الاقتصار على أحدهما، إذ المقصود أن الرمان حاوٍ لمجموع الطعمين وكذلك قيراطًا، قير هنا يرجع إلى لفظ واحد وهو مفصلًا؛ أي: أعطوا أجرهم مفصلًا قيراطًا قيراطًا.
وقال المرادي: المختار في ادخلوا رجلًا رجلًا أن رجلًا الثاني وما قبله منصوبان بالعامل المتقدم؛ لأن مجموعهما هو الحال ونظيرهما في الخبر الرمان حلو حامض؛ أي: مز انتهى.
قال في (( الفتح ) ): قال الداودي هذا مشكل؛
ج 2 ص 341
لأنه إن كان المراد من مات منهم مسلمًا فلا يوصف بالعجز؛ لأنه عمل ما أمر به وإن كان من مات بعد التغيير والتبديل فكيف يعطي القيراط من حبط عمله بكفره.
وأجيب: بأن المراد من مات منهم مسلمًا قبل التغيير والتبديل وعبر بالعجز لكونهم لم يستوفوا عمل النهار كله وإن كانوا قد استوفوا عمل ما قدر لهم فقوله: عجزوا؛ أي: عن إحراز الأجر الثاني دون الأول، لكن من أدرك منهم النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به أعطي الأجر مرتين كما صرح به في كتاب الإيمان انتهى.
والقيراط أصله: قرَّاط بتشديد الراء فأبدل أحد المثلين ياء للتخفيف كتقضض البازي قلبت الضاد الثانية ياء فقيل: تقضي بدليل جمعه على قراريط وكذلك دينار أصله: دنار بدليل جمعه على دنانير.
والقيراط قال الكرماني: نصف دانق والمراد به هنا النصيب.
وقال في (( القاموس ) ): يختلف وزنه بحسب البلاد فبمكة ربع سدس الدينار، وبالعراق نصف عشرة.
(ثُمَّ أُوتِيَ) أي: أعطي (أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ) وهم النصارى (فَعَمِلُوا) أي: بالإنجيل من نصف النهار (إِلَى صَلاَةِ الْعَصْرِ ثُمَّ عَجَزُوا) أي: انقطعوا عن العمل، وفيه ما تقدم في اليهود (فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِينَا) أي: النبي صلى الله عليه وسلم وأمته.
(الْقُرْآنَ) الذي هو أشرف الكتب المنزلة (فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ) ومطابقة الحديث للترجمة بأن قوله: (( إلى غروب الشمس ) )يقتضي امتداد وقت العصر إلى غروب الشمس، فمن أدرك قبل الغروب ركعة من العصر فقد أردك العصر تغليبًا للركعة التي وقعت في الوقت على بقية الركعات.
قال في (( الفتح ) ): قال المهلب ما معناه: أورد البخاري حديث ابن عمر وحديث أبي موسى في هذه الترجمة ليدل على أنه قد يستحق بعمل البعض أجر الكل مثل الذي أعطي من العصر إلى الليل أجر النهار كله فهو نظير من يعطي أجر الصلاة كلها ولو لم يدرك إلا ركعة، وبهذا نظير مطابقة الحديثين للترجمة.
قلت: وتكملة ذلك أن يقال: أن فضل الله الذي أقام به عمل ربع النهار مقام عمل النهار كله هو الذي اقتضى أن يقوم إدراك الركعة الواحدة من الصلاة الرباعية التي هي العصر مقام إدراك الأربع في الوقت، فاشتركا في كون كل منهما ربع العمل، وحصل بهذا التقرير الجواب عمن استشكل وقوع الصلاة أداء مع أن الأكثر إنما وقع خارج الوقت فيقال في هذا بما أجيب به أهل الكتابين: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
(فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ) اليهود والنصارى، ولابن عساكر: بالإفراد على إرادة الجنس (أي رَبَّنَا) أي: يا ربنا (أَعْطَيْتَ هَؤُلاَءِ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، وَنَحْنُ [كُنَّا] أَكْثَرَ عَمَلًا؟) فإن الوقت من الصبح إلى الظهر أوسع من وقت العصر إلى المغرب، وكذلك الوقت من الظهر إلى العصر على ما عليه أهل الفلك والميقات.
قال الكرماني: فإن قلت: قول اليهود ظاهر؛ لأن الوقت من الصبح إلى الظهر أكثر من وقت العصر إلى المغرب، لكن قول النصارى لا يصح إلا على مذهب الحنفية حيث يقولون: العصر هو مصير ظل الشيء مثليه، وهذا من جملة أدلتهم على مذهبهم فما جواب الشافعية عنه حيث قالوا: هو مصير ظل الشيء مثله، وحينئذ لا يكون وقت الظهر أكثر من وقت العصر.
قلت: لا نسلم أن وقت الظهر ليس أكثر منه وما الدليل عليه؟ ولئن سلمنا فليس هو نصًا في أن كلًا من الطائفتين أكثر عملًا لصدق أن كلهم مجتمعين أكثر عملًا من المسلمين لا أن بعضهم كذلك، ولاحتمال إطلاقه كون العمل أكثر في الزمان الأقل انتهى.
وأقول: لا شبهة في أن المسطور في كتب المواقيت والفلك أن وقت الظهر أوسع من وقت العصر بناء على أن أول وقت العصر مصير ظل كل شيء مثله في جميع البلاد، وكذلك على استخراج الأوقات بالآلات الموضوعة لذلك كربع الدائرة والاصطرلاب وغيرهما، ولا يحتاج إلى بناء ذلك على قول أبي حنيفة فالاشتباه في ذلك من عدم الوقوف على الكتب المؤلفة في ذلك، والفرق بينهما في دمشق في أقصر أيام السنة نحو سبع درج زيادة في وقت الظهر على وقت العصر.
ثم رأيت صاحب (( الفتح ) )صرح بذلك فقال: تمسك به بعض الحنفية أن وقت العصر من مصير ظل كل شيء مثليه؛ لأنه لو كان من مصير ظل كل شيء مثله لكان مساويًا لوقت الظهر، وقد قالوا: كنا أكثر عملًا فدل على أنه دون وقت الظهر.
وأجيب: بمنع المساواة وذلك معروف عند أهل العلم بهذا الفن وهو أن المدة التي بين الظهر والعصر أطول من المدة التي بين العصر والمغرب.
وأما ما نقله بعض الحنابلة من الإجماع على
ج 2 ص 342
أن وقت العصر ربع النهار فمحمول على التقريب، أو باحتمال أن يكون ذلك قول اليهود خاصة، فيندفع الاعتراض عن أصله كما جزم به بعضهم، ويكون نسبة ذلك للجميع في الظاهر غير مراد، بل هو عموم أريد به الخصوص انتهى.
(قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ) أي: هل نقصتكم (مِنْ أَجْرِكُمْ) المشروط لكم (مِنْ شَيْءٍ؟) (( من ) )الأولى للبيان، والثانية زائدة لوجود شرط زيادتها في المفعول به أو المفعول المطلق، فإن شيئًا يحتمل أن يكون مفعولًا ثانيًا لنقصنا.
ويحتمل أن يكون مصدرًا؛ أي: شيئًا من النقصان أو لا قليلًا ولا كثيرًا من النقصان، كذا ذكره في (( الدر المصون ) )في قوله تعالى: {ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا} [التوبة:4] .
(قَالُوا: لاَ) أي: لم تنقصنا من أجرنا من شيء (قَالَ: فَهْوَ) أي: ما أعطيته (فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ) وليس لقلة العمل ولا لكثرته دخل في ذلك.