وبالسند قال:
567 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ) هو أبو كريب (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللهروي والأصيلي وابن عساكر: (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة (عَنْ بُرَيْدٍ) بضم الموحدة، ابن عبد الله (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) عامر وهو جد بريد (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعري
(قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأَصْحَابِي الَّذِينَ قَدِمُوا مَعِي فِي السَّفِينَةِ نُزُولًا) جمع نازل كشاهد وشهود (فِي بَقِيعِ بُطْحَانَ) البقيع بفتح الموحدة من الأرض المكان المتسع ولا يسمى بقيعًا إلا وفيه شجر أو أصولها، و (( بُطْحان ) )بضم الموحدة وسكون الطاء المهملة وبالحاء المهملة غير منصرف، واد بالمدينة.
وقال ابن قرقول: بُطحان بضم الباء فعلان يرويه المحدثون أجمعون، وحكى فيه أهل اللغة بطحان بفتح الباء وكسر الطاء، وكذلك قيده ابن المعالي في (( بارعه ) )وأبو حاتم.
وقال البكري: بفتح أوله وكسر ثانيه على وزن فعلان لا يجوز غيره.
(وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ كُلَّ لَيْلَةٍ نَفَرٌ) بفتحتين (مِنْهُمْ) أي: عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة؛ أي: من أصحابي الذين قدموا معي في السفينة (فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَنَا وَأَصْحَابِي وَلَهُ) صلى الله عليه وسلم.
(بَعْضُ الشُّغْلِ) بضم الشين وإسكان الغين المعجمة (فِي بَعْضِ أَمْرِهِ) وهو تجهيز جيش كما في الطبراني عن جابر والجملة حالية (فَأَعْتَمَ) النبي صلى الله عليه وسلم (بِالصَّلاَةِ حَتَّى ابْهَارَّ) بهمزة وصل فموحدة ساكنة فهاء فألف فراء مشددة (اللَّيْلُ) قال في (( الفتح ) ): أي طلعت نجومه واشتبكت، والباهر الممتلئ نورًا قاله أبو سعيد الضرير.
وعن سيبويه: ابهار الليل: كثرت ظلمته، وابهار القمر كثر ضوءه.
وقال الأصمعي: ابهار انتصف مأخوذ من بهرة الشيء وهو وسطه، ويؤيده أن في بعض الروايات: (( حتى إذا كان قريبًا من نصف الليل ) )وهو في حديث أبي سعيد كما سيأتي، وسيأتي في حديث أنس عند المصنف: (( إلى نصف الليل ) ).
وفي (( الصحاح ) ): ابهار الليل ذهب معظمه وأكثره، وعند مسلم عن عائشة: (( حتى ذهب عامة الليل ) ).
قال النووي: أي: كثير منه وليس المراد أكثره؛ لأنه لم يقل أحد من العلماء بتأخيرها إلى ما بعد النصف.
(ثُمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا قَضَى صَلاَتَهُ قَالَ: لِمَنْ حَضَرَ) من الصحابة المصلين معه (عَلَى رِسْلِكُمْ) بكسر الراء وقد تفتح أي: تأنوا (أَبْشِرُوا) بقطع الهمزة(إِنَّ مِنْ نِعْمَةِ
ج 2 ص 350
اللَّهِ عَلَيْكُمْ)قال في (( الفتح ) ): بكسر (( إِن ) )ووهم من ضبطها بالفتح.
(أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرُكُمْ) قال العيني: كلمة (( من ) )للتبعيض وهو اسم أن، وقوله: (( أَنه ) )بالفتح؛ لأنه خبره انتهى.
وأقول: ولا يخفى ما فيه من الوهم إذ كيف يقع الجار والمجرور اسمًا لأن، وإنما الجار والمجرور خبر (( إن ) )مقدمًا والمصدر المنسبك من أن المفتوحة وما بعدها اسمها.
ثم رأيت الكرماني أعربها كذلك فقال: و (( من ) )في (( إن من نعمة الله ) )للتبعيض وهو خبر (( إن ) )، ولفظ: (( أنه ) )بفتح أَنه لا غير اسم لـ (( إن ) )انتهى.
ولعل ما في العيني من تحريف النساخ وغير ذلك في غاية البعد.
وقال في (( الفتح ) ): وأما قوله: (( أنه ليس أحد ) )فهو بفتح (( أَنه ) )للتعليل.
وتعقبه العيني فقال: ليس كذلك على ما لا يخفى؛ أي: لأن الكلام لا يتم بدونه إذ هو أحد ركني الكلام، ولو كان مدخولًا للام التعليل لاقتضى أن يكون ما قبله كلامًا تامًا فنبه على ما في كلام غيره من الخلل وغفل عما في كلامه.
(أَوْ قَالَ) عليه السلام (مَا صَلَّى هَذِهِ السَّاعَةَ أَحَدٌ غَيْرُكُمْ) شك من الراوي (لاَ يَدْرِي) بالتحتية، ولأبي الوقت وابن عساكر: (أي الْكَلِمَتَيْنِ قَالَ) عليه الصلاة والسلام.
قال في (( الفتح ) ): واستدل بذلك على فضيلة تأخير صلاة العشاء، ولا يعارض ذلك فضيلة أول الوقت لما في الانتظار من الفضل، لكن قال ابن بطال: ولا يصلح ذلك الآن للأئمة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أمرنا بالتخفيف وقال: (( إن فيهم الضعيف وذا الحاجة ) )فترك التطويل عليهم في الانتظار أولى.
قلت: وقد روى أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وغيرهم من حديث أبي سعيد الخدري: (( صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العتمة فلم نخرج حتى مضى نحو من شطر الليل فقال: إن الناس قد صلوا وأخذوا مضاجعهم، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة، ولولا ضعف الضعيف وسقم السقيم وحاجة ذي الحاجة لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل ) ).
وسيأتي في حديث ابن عباس قريبًا: (( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوها هكذا ) ).
وللترمذي وصححه من حديث أبي هريرة: (( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه ) ).
فعلى هذا من وجد به قوة على تأخيرها ولم يغلبه النوم ولم يشق على أحد من المأمومين فالتأخير في حقه أفضل، وقد قرر النووي ذلك في (( شرح مسلم ) ).
ونقل ابن المنذر عن الليث وإسحاق: أن المستحب تأخير العشاء إلى قبل الثلث.
وقال الطحاوي: يستحب إلى الثلث، وبه قال مالك وأحمد وأكثر الصحابة والتابعين وهو قول الشافعي في الجديد. وقال في القديم: التعجيل أفضل، وكذا قال في (( الإملاء ) )وصححه النووي وجماعة وقالوا: [إ] نه مما يفتي به على القديم والمختار من حيث الدليل أفضلية التأخير ومن حيث النظر التفضيل انتهى ملخصًا.
وقال العيني: قال أصحابنا: إن كان القوم كسالى فيستحب التعجيل، وإن كانوا راغبين يستحب التأخير انتهى.
(قَالَ أَبُو مُوسَى) الأشعري يحتمل التعليق والوصل (فَرَجَعْنَا) أي: من عند رسول صلى الله عليه وسلم (فرحى) جمع فرحان على غير قياس كسكرى جمع سكران ومثله: {وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى} [الحج:2] في قراءة.
قال الكرماني: وأما مؤنث الأفرح وهو نحو الرجال فعلت انتهى، يعني أن تأنيثه بتأويل الجماعة؛ أي: فرجعنا حال كوننا جماعات فرحى. قال: وفي بعضها فرَحًا بفتح الراء مصدرًا بمعنى الفرحين فهو نحو الرجال فعلوا، وفي رواية الكشميهني: ، وسبب فرحهم علمهم باختصاصهم بهذه العبادة التي هي نعمة عظمى مستلزمة للمثوبة الحسنى مع ما انضاف إلى ذلك من تجميعهم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أي: بالذي سمعناه فالعائد محذوف.
والحديث أخرجه مسلم في الصلاة وأبو داود والنسائي من حديث أبي سعيد، وكذا ابن ماجه.