وبالسند قال:
593 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ) بعينين مهملتين مفتوحتين ورائين أولاهما ساكنة (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو السبيعي (قَالَ: رَأَيْتُ الأَسْوَدَ) بن يزيد (وَمَسْرُوقًا) أي: ابن الأجدع.
(شَهِدَا عَلَى عَائِشَةَ) أي: أخبرا عنها فالشهادة هنا بمعنى الإخبار عبر عنه بها مبالغة في تحققه وتيقنه أنها (قَالَتْ: مَا كَانَ) وللأصيلي:(النَّبِيُّ
ج 2 ص 366
صلى الله عليه وسلم يَأْتِينِي فِي يَوْمٍ بَعْدَ الْعَصْرِ)أي: بعد صلاتها (إِلاَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) هو استثناء مفرغ؛ أي: ما كان يأتيني وقتًا من الأوقات بعد العصر إلا وقتًا يصلي فيه ركعتين.
وقال الكرماني: أي: ما كان يأتيني بوجه أو حاله إلا بهذا الوجه أو هذه الحالة، ثم قال: فإن قلت: ما وجه الجمع بين هذه الأحاديث وما تقدم أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد صلاة العصر.
قلت: أجيب عنه: بأن النهي كان في صلاة لا سبب لها وصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت بسبب قضاء فائتة سنة الظهر، وبأن النهي هو فيما يتحرى فيها وفعله كان بدون التحري، وبأنه كان من خصائصه، وبأن النهي كان للكراهة فأراد صلى الله عليه وسلم بيان ذلك ودفع وهم التحريم.
وبأن العلة في النهي هو التشبه بعبدة الشمس، والرسول صلى الله عليه وسلم منزه عن التشبه بهم، وبأنه صلى الله عليه وسلم لما قضى فائتة ذلك اليوم وكان في فواته نوع تقصير واظب عليها مدة عمره جبرًا لما وقع منه والكل باطل.
أما أولًا: فلأن الفوات كان في يوم واحد وهو اشتغاله بعبد القيس وصلاته بعد العصر كانت مستمرة دائمًا.
وأما ثانيًا: فلأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يداوم عليها ويقصد أداءها كل يوم وهو معنى التحري.
وأما ثالثًا: فلأن الأصل عدم الاختصاص ووجوب متابعته لقوله تعالى: {وَاتَّبِعُوهُ} [الأعراف:158] .
وأما رابعًا: فلأن بيان الجواز يحصل بمرة واحدة فلا يحتاج في دفع وهم الحرمة إلى المداومة عليها.
وأما خامسًا: فلأن العلة في كراهة صلاة بعد فرض العصر ليس التشبه بهم بل هي العلة لكراهة الصلاة عند الغروب فقط.
وأما سادسًا: فلأنا لا نسلم أنه كان تقصيرًا؛ لأنه كان مشتغلًا في ذلك الوقت بما هو أهم وهو إرشادهم إلى الحق، أو لأن الفوات كان لنسيان ثم إن الخبر يحصل بقضائه مرة واحدة على ما هو حكم أبواب القضاء في جميع العبادات بل الجواب الصحيح: أن النهي قول وصلاته فعل والقول والفعل إذا تعارضا يقدم القول ويعمل به انتهى.
وتعقبه العيني فقال: قوله: والكل باطل، لا يمشي في الكل بل فيه شيء موجه وشيء غير موجه وكذلك في كلامه ودعواه بطلان الكل.
أما الذي هو غير موجه فهو قوله: أن النهي كان في صلاة لا سبب لها تخصيص بلا مخصص وهذا باطل وقد استقصينا الكلام فيه فيما مضى.
وأما الذي هو غير موجه من كلام الكرماني: فهو قوله: أن الأصل عدم الاختصاص وهذا غير صحيح على إطلاقه؛ لأنه إذا قام الدليل على الاختصاص فلا ينكر، وهاهنا قد قامت دلائل من الأحاديث وأفعال الصحابة في أن هذا الذي صلاه بعد العصر كان من خصائصه صلى الله عليه وسلم وقد ذكرناها فيما مضى.
وقول الكرماني: وصلاته بعد العصر كانت مستمرة ترد دعواه عدم التخصيص إذا لم تكن من خصائصه لأمر بقضائها إذا فاتت ولم يأمر بذلك ألا ترى إلى حديث أم سلمة المذكور فيما مضى، قالت: قلت: يا رسول الله أفنقضيهما إذا فاتتا؟ قال: (( لا ) ).
فدل ذلك على أن حكم غيره فيهما إذا فاتتاه؛ خلاف حكمه فليس لأحد أن يصليهما بعد العصر وهاهنا شيء آخر يلزمهم وهو أنه صلى الله عليه وسلم كان يداوم عليهما وهم لا يقولون به في الأصح الأشهر فإن عورضوا يقولون: هذا من خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم في الاستدلال بالحديث يقولون: الأصل عدم التخصيص.
وهذا كما يقال: فلان مثل الظليم يستجمل عند الاستطارة ويستطير عند الاستجمال، وقوله: ليس التشبه بهم غير صحيح فإن حديث أبي أمامة على التشبه بهم وهو الذي رواه مسلم.
وفيه: فقلت: يا رسول الله أخبرني عن الصلاة، قال: (( صل الصبح ثم اقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس وحتى ترتفع فإنها تطلع بين قرني الشيطان وحينئذ يسجد لها الكفار ) )الحديث.
وفيه أيضًا: (( فإنها تغرب بين قرني الشيطان ) )والشارع أخبر بأن الشيطان يحاذي الشمس بقرنيه عند الطلوع وعند الغروب، والكفار يسجدون لها حينئذ فنهى الشارع عن الصلاة في هذين الوقتين حتى لا يكون المصلون فيهما كالساجدين لها.
وقوله: والقول والفعل إذا تعارضا يقدم القول ليس على إطلاقه فإن أحدهما إذا كان حاظرًا والآخر مبيحًا يقدم الحاظر على المبيح سواء كان قولًا أو فعلًا فافهم انتهى.
أقول: ولا يخفى على المتأمل أن في كلامه أيضًا ما هو موجه وما هو غير موجه أضربنا عنه خشية الإطالة.