فهرس الكتاب

الصفحة 1168 من 1465

(بسم الله الرحمن الرحيم أبواب صفة الصلاة) : لما فرغ من بيان أحكام الجماعة والإقامة وتسوية الصفوف شرع في بيان صفة الصلاة بأنواعها وسائر ما يتعلق به بتفاصيلها، قال: إلا بحمل الصفة والوصف مترادفان عند أهل اللغة والهاء عوض من الواو كالوعد والعدة قال: والظاهر أن المراد بالصفة؛ أي: في قول صاحب (( الهداية ) )صفة الصلاة الهيئة الحاصلة للصلاة بأركانها وعوارضها.

قال الغنيمي: والإضافة شبه إضافة الجزء إلى الكل لأن هيئة الصلاة كالجزء منها كحمرة الورد.

قال العجيمي: وفيه عندي شبهة وهي أن ذلك يقتضي أن يكون المقصود بالذكر هيئة الصلاة لا نفسها مع أن الأمر بالعكس.

ومن ثم قال بعضهم: المراد ماهية الصلاة من إضافة العام إلى الخاص لأن الماهية أعم في نفسها من ماهية الصلاة وغيرها كقولهم شجر الأراك، وربما أطلق بعضهم على هذه الإضافة أنها بيانية وهو خلاف ما صرح به بعض شراح (( الكافية ) )من أن الشرط فيها أن يكون بين المتضايفين عموم وخصوص من وجه ثم رأيت السيوطي ذكر أن هذه الإضافة ليست بيانية ولا على تقدير حرف ولا محضة، بل هي إما غير محضة أو واسطة بين المحضة وغيرها وصفة الصلاة ليست من إضافة الشيء إلى مرادفه لأن الصفة غير الموصوف والكيفية غير المكيف. وفيه بحث لشيخنا فليراجع كذا نقل من خط العجيمي.

(82) (باب إِيجَابِ التَّكْبِيرِ) : للإحرام (وَافْتِتَاحِ الصَّلاَةِ) : قال في (( الفتح ) ): قيل: أطلق الإيجاب والمراد الوجوب تجوزًا؛ لأن الإيجاب خطاب الشارع، والوجوب ما يتعلق بالمكلف وهو المراد هنا.

ثم الظاهر أن الواو عاطفة إما على المضاف وهو

ج 2 ص 535

إيجاب وإما على المضاف إليه وهو التكبير، والأول أولى إن كان المراد بالافتتاح الدعاء، لكنه لا يجب والذي يظهر من سياقه أن الواو بمعنى مع، وأن المراد بالافتتاح الشروع في الصلاة.

وأبعد من قال: إنها بمعنى الموحدة أو اللام انتهى.

وتعقبه العيني: لا نسلم أن الواو هنا عاطفة فلا يصح قوله إما على المضاف وإما على المضاف إليه، بل الواو هنا إما بمعنى باء الجر كما في قولهم: أنت أعلم ومالك والمعنى إيجاب التكبير بافتتاح الصلاة، وإما بمعنى لام التعليل والمعنى إيجاب التكبير لأجل افتتاح الصلاة ومجيء الواو بمعنى لام التعليل ذكره الخارزنجي.

ويجوز أن تكون بمعنى مع إذ إيجاب التكبير مع افتتاح الصلاة ومجيء الواو بمعنى مع شائع ذائع. انتهى فتأمله مع ما تقدم عن (( الفتح ) )واحكم بما أراك الله.

وقال في (( الفتح ) ): وكأنه أشار إلى حديث عائشة كان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير.

وسيأتي بعد بابين حديث ابن عمر رأيت النبي صلى الله عليه وسلم افتتح بالتكبير في الصلاة.

واستدل به وبحديث عائشة على تعين لفظ التكبير دون غيره من ألفاظ التعظيم، وهو قول الجمهور، ووافقهم أبو يوسف.

وعن الحنفية تنعقد بكل لفظ يقصد به التعظيم.

ومن حجة الجمهور حديث رفاعة في قصة المسيء صلاته أخرجه أبو داود بلفظ: لا تتم صلاة أحد من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء مواضعه ثم يكبر، ورواه الطبراني بلفظ: ثم يقول الله أكبر وحديث أبي حميد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائمًا ورفع يديه ثم قال: الله أكبر أخرجه ابن ماجه وصححه ابن خزيمة وابن حبان، وهذا فيه بيان المراد بالتكبير وهو قول الله أكبر.

وروى البزار بإسناد صحيح على شرط مسلم عن علي: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة قال: الله أكبر ولأحمد والنسائي من طريق واسع بن حبان أنه سأل ابن عمر عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الله أكبر كلما وضع ورفع. انتهى.

وقال العيني: واختلف العلماء في تكبيرة الإحرام فقال أبو حنيفة هي شرط، وقال الشافعي ومالك وأحمد ركن.

وقال ابن المنذر: قال الزهري: تنعقد الصلاة بمجرد النية بلا تكبير.

قال أبو بكر: ولم يقل به غيره.

وقال ابن بطال: ذهب جمهور العلماء إلى وجوب تكبيرة الإحرام وذهبت طائفة إلى أنها سنة، روي ذلك عن سعيد بن المسيب والحسن والحكم والزهري والأوزاعي، وقالوا: إن تكبيرة الركوع تجزئه عن تكبيرة الإحرام.

وروي عن مالك في المأموم ما يدل على أنه سنة، ولم يختلف قوله في المنفرد والإمام أنه واجب على كل واحد منهما وأن من نسيها يستأنف الصلاة.

وفي (( المغني ) )لابن قدامة: التكبير ركن لا تنعقد الصلاة إلا به سواء تركه سهوًا أو عمدًا قال: وهذا قول ربيعة والثوري ومالك والشافعي وإسحاق وأبي ثور.

وحكى الثوري وأبو الحسن الكرخي الحنفي عن ابن علية والأصم كقول الزهري في انعقاد الصلاة بمجرد النية بغير تكبير.

وقال عبد العزيز ابن إبراهيم بن بزيزة: قالت طائفة: بوجوب تكبير الصلاة كله وعكس آخرون فقالوا: كل تكبيرة في الصلاة فليست بواجبة مطلقًا منهم ابن شهاب وابن المسيب وأجازوا الإحرام بالنية لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (( إنما الأعمال بالنيات ) )، والجمهور أوجبوها خاصة دون ما عداها.

واختلف مذهب مالك هل يحتملها الإمام عن المأموم أو لا؟ فيه قولان في المذهب.

ثم اختلف العلماء هل يجزئ الافتتاح بالتسبيح مكان التكبير، فقال مالك وأبو يوسف والشافعي وأحمد وإسحاق: لا يجزئ إلا الله أكبر.

وقال أبو حنيفة ومحمد: يجوز بكل لفظ يقصد به التعظيم.

وذكر في (( الهداية ) )قال أبو يوسف: إن كان المصلي محسن التكبير لم يجز إلا الله أكبر أو الله الكبير وإن لم يحسن جاز.

ثم قال العيني بعدما ذكر الأحاديث الدالة على تعين التكبير التي تقدم نقلها عن صاحب (( الفتح ) )في معرض الجواب عن الاستدلال بها ما نصه: قلنا التكبير هو التعظيم من حيث اللغة كما في

ج 2 ص 536

قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ} [يوسف:31] أي: عظمنه {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} [المدثر:3] أي: فعظم فكل لفظ دل على التعظيم وجب أن يجوز الشروع به.

ومن أين قالوا إن التكبير وجب بعينه حتى يقتصر على لفظ أكبر والأصل في خطاب الشرع أن تكون نصوصه معلومة معقولة والتعبد على خلاف الأصل على ما عرف في الأصول.

وقال تعالى: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى:15] وذكر اسمه أعم من أن يكون باسم الله أو باسم الرحمن فجاز الرحمن أعظم كما جاز الله أكبر لأنهما في كونهما ذكرا سواء. قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف:180]

والجواب عن حديث رفاعة أنه صلى الله عليه وسلم قد أثبتها صلاة ونفى قبولها.

ويجوز أن تكون الصلاة جائزة ولا تكون مقبولة إذ لا يلزم من الجواز القبول وعندهم لا تكون صلاة فلا حجة فيه. انتهى ملخصًا.

فإن قلت: هل يظهر للخلاف في كون تكبيرة الإحرام شرطًا أو ركنًا ثمرة؟

قلت: نعم أما على القول بكونها ركنًا فيشترط لها ما يشترط لسائر الأركان من الطهارة وستر العورة واستقبال القبلة، وأما على القول بأنها شرط فلا، فلو ابتدأ التكبير وهو غير مستقبل للقبلة ثم استقبلها عند التلفظ براء أكبر أجزأته عند من يقول بالشرطية دون من يقول بالركنية وكذا لو كان مكشوف العورة واستتر عند راء أكبر وكذا إذا كان على جسده نجاسة وألقاها عندها ومن جملة ثمرات الاختلاف أنه يصح بناء النفل على الفرض وبناء النفل على النفل لبقاء التحريمة؛ لأن الشرط لا يلزم تجديده لكل صلاة كما لو تطهر لصلاة الظهر مثلًا وبقي الوضوء إلى دخول وقت العصر له أن يصلي به العصر وبقية مباحث التكبيرة مذكورة في كتب الفروع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت