فهرس الكتاب

الصفحة 227 من 1465

128 -وبالسند إلى المؤلف قال:

(حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه (قَالَ: حَدَّثَنَا) وفي رواية أبوي ذر والوقت والأصيلي: (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) ابن أبي عبد الله الدستوائي المتوفى بالبصرة سنة مائتين.

(قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) هشام (عَنْ قَتَادَةَ) ابن دعامة (قَالَ: حَدَّثَني) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، وَمُعَاذٌ) ابن جبل (رَدِيفُهُ) أي: راكب خلفه.

(عَلَى الرَّحْلِ) بفتح الراء وسكون الحاء المهملة، وهو البعير أصغر من القتب، وعند المصنف في الجهاد أنه كان على حمار.

(قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ) بضم معاذ ونصب ابن، على محل معاذ إذ هو نعت مضاف، ويجوز في معاذ الفتح أيضًا للإتباع لابن، أو للتركيب وهو المختار لابن الحاجب، أو لإقحام ابن، والمختار عند البصريين إلا المبرد الفتح، وزعم ابن كيسان أنه أكثر، وعند سيبويه الضم أجود، وهو اختيار ابن مالك، وقد يجوز في الابن الضم.

قال في التسهيل: وربما ضم الابن اتباعًا انتهى. وحكى الأخنس عن بعض العرب: يا زيد بن عمرو بالضم اتباعًا لضمة الدال، فقول ابن الملقن أن الابن منصوب قطعًا فيه نظر.

(قَالَ) معاذ رضي الله عنه (لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ) عليه الصلاة والسلام (يَا مُعَاذُ. قَالَ) معاذ.

(لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، ثَلاَثًا) راجع لقول معاذ، ويحتمل رجوعه لقوله صلى الله عليه وسلم فيكون من التنازع (( ولبيك وسعديك ) )من المصادر المحذوف فعلها وجوبًا وثنيا للتوكيد والتكثير؛ أي: إقامة على طاعتك بعد إقامة وإسعادًا لك بعد إسعاد، وكأن الأصل لبيين لك وسعدين لك، فلما أضيفا حذفت النون.

(قَالَ: مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، صِدْقًا) صفة مصدر محذوف؛ أي: يشهد شهادة صدقًا أو حال من فاعل يشهد (مِنْ قَلْبِهِ) يحتمل تعلقه بصدقًا، فالشهادة لفظية وبيشهد فالشهادة قلبية، فمعنى الأول يشهد بلفظه ويصدق بقلبه، ومعنى الثاني يشهد بقلبه ويصدق بلفظه.

قال في (( الفتح ) ): والأول أولى وهو احتراز من شهادة المنافق.

(إِلاَّ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ) قال الطيبي: قوله (( صدقًا ) )أقيم هنا مقام الاستقامة؛ لأن الصدق يعبر به قولًا عن مطابقة القول المخبر عنه، ويعبر به فعلًا عن تحري الأخلاق المرضية كقوله تعالى: {وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} [الزمر:33] ؛ أي: حقق ما أورده قولًا بما تحراه فعلًا انتهى.

قال في (( الفتح ) ): وأراد بهذا التقرير رفع الإشكال عن ظاهر الخبر؛ لأنه يقتضي عدم دخول من شهد الشهادتين النار لما فيه من التعميم، لكن دلت الأدلة القطعية عند أهل السنة على أن طائفة من عصاة الموحدين يعذبون ثم يخرجون من النار بالشفاعة، فعلم أن ظاهره غير مراد فكأنه قال: إن ذلك مقيد بمن عمل الأعمال الصالحة، ولأجل خفاء ذلك لم يأذن لمعاذ في التبشير به.

وقد أجاب العلماء أيضًا عن الإشكال بأجوبة أخرى:

منها: أن مطلقه مقيد بمن قالها تائبًا ثم مات على ذلك.

ومنها: أن ذلك كان قبل نزول الفرائض وفيه نظر؛ لأن مثل هذا الحديث وقع لأبي هريرة كما رواه مسلم وصحبته متأخرة عن نزول أكثر الفرائض، وكذا ورد نحوه من حديث أبي موسى رواه أحمد بإسناد حسن، وكان قدومه في السنة التي قدم فيها أبو هريرة.

ومنها: أنه خرج مخرج الغالب إذ الغالب أن الموحد يعمل الطاعة ويجتنب المعصية.

ومنها: أن المراد بتحريمه على النار تحريم خلوده فيها لا أصل دخولها.

ومنها: أن المراد النار التي أعدت للكافرين لا الطبقة التي أفردت لعصاة الموحدين.

ومنها: أن المراد بتحريمه تحريم جملته؛ لأن النار لا تأكل مواضع السجود من المسلم كما ثبت في حديث الشفاعة أن ذلك محرم عليها، وكذا لسانه الناطق بالتوحيد، والعلم عند الله تعالى انتهى.

وقال الكرماني: معنى التحريم هنا المنع كما في قوله تعالى: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} [الأنبياء:95] .

فإن قلت: هل في المعنى فرق بين حرمه الله على النار وحرم الله النار عليه؟.

قلت: لا اختلاف إلا في المفهومين، وأما المعنيان فمتلازمان انتهى. والاستثناء هنا من أعم عام الصفات؛ أي: ما يشهد أحد كائنًا بصفة إلا بصفة التحريم على النار.

(قَالَ) أي: معاذ (يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلاَ أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ) في هذا ونحوه مذهبان، مذهب سيبويه والجمهور أن همزة الاستفهام إذا كانت في جملة معطوفة بالواو أو بالفاء أو بثم قدمت على العاطف تنبيهًا على أصالتها في التصدر نحو: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا} ،

ج 1 ص 559

{أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُم بِهِ} [يونس:51] ، وأخواتها تتأخر عن حروف العطف كما هو قياس جميع أجزاء الجملة المعطوفة نحو: {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ} [آل عمران:101] ، {فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ} [التكوير:26] ، {فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} ، {فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ} [الأحقاف:35] .

وخالفهم جماعة أولهم الزمخشري، فزعموا أن الهمزة في تلك المواضع في محلها الأصلي، وأن العطف على جملة مقدرة بينها وبين العاطف، فيقولون: التقدير في {أَفَلَمْ يَسِيرُ [وا] } ، أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا}، امكثوا فلم يسير [وا] ، أنهملكم فنضرب عنكم الذكر صفحًا.

وقد جرى الكرماني على هذا المذهب فقال: فإن قلت: الهمزة تقتضي الصدارة والفاء تقتضي عدمها فما وجه جمعهما؟.

قلت: المعطوف عليه مقدر بعد الهمزة نحو أقلت ذلك فلا أخبر انتهى.

أقول: ولا يخفى أن ما قدره بعيد عن السياق، فالظاهر أن المقدر أتمنعني فلا أخبر به الناس، أو ألا تأذن لي فأخبر به الناس.

(فَيَسْتَبْشِرُوا) منصوب بحذف النون في جواب الاستفهام، ولأبي ذر: بإثبات النون على الاستئناف؛ أي: فهم يستبشرون (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (إِذًا يَتَّكِلُوا) بحذف النون للناصب وهو إذن، وقول الكرماني: أي: إن أخبرتهم يتكلوا بيان لحاصل المعنى لما في إذن من معنى المجازاة، كما إذا قال لك إنسان: أريد أن أزورك، فقلت له: إذن أكرمك، فإنه في معنى: إن تزرني أكرمك، فكأنه قال: لا تخبرهم؛ لأنهم حينئذ يتكلوا على الشهادة المجردة فلا يشتغلون بالأعمال الصالحة، والاتكال أصله الأوتكال فقلبت الواو تاء وأدغمت التاء في التاء، وللكشميهني: بسكون النون وضم الكاف من النكول وهو الامتناع؛ أي: يمتنعوا من الأعمال الصالحة اعتمادًا على مجرد الشهادتين.

(وَأَخْبَرَ) بالواو، وفي رواية بحذفها (بِهَا) أي: بهذه المقالة (مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ) أي: موت معاذ، وجوز الكرماني عوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال في (( الفتح ) ): ويرده ما رواه أحمد بسند صحيح عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: (( أخبرني من شهد معاذًا حين حضرته الوفاة يقول: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا لم يمنعني أن أحدثكموه إلا مخافة أن تتكلوا ) )فذكره.

(تَأَثُّمًا) أي: تجنبًا عن الإثم، يقال: تأثم فلان إذا فعل فعلًا خرج به عن الإثم، والإثم الذي خرج عنه كتمان ما أمر الله بتبليغه حيث قال: {وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران:187] وكذا ما شاكلها من الآيات كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ} [البقرة:159] الآية.

قال الكرماني: هب أنه تأثم عن الكتمان فكيف لا يتأثم من مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التبشير؟.

قلت: كان ذلك مقيدًا بالاتكال فإذا زال القيد علم معاذ أن النهي عن الإخبار لأجل أن لا يعتمدوا عليه ويتركوا العمل، والقوم يومئذ كانوا حديثي العهد بالإسلام فلما استقاموا وثبتوا صاروا حريصين على العبادة حيث علموا أن عبادة الله تعالى تزيدهم تقربًا إليه، أخبرهم أو علم أنه صلى الله عليه وسلم لم ينهه عن الإخبار نهي تحريم، أو نقول: روى ذلك بعد ورود الأمر بالتبليغ والوعيد على الكتمان، والنهي كان قبل ذلك أو لعل المنع ما كان إلا من العوام لأنه من الأسرار الإلهية التي لا يجوز كشفها إلا للخواص خوفًا من أن يسمع ذلك من لا علم له فيتكل عليه، ولهذا لم يخبر به النبي صلى الله عليه وسلم إلا من أمن عليه الاتكال من أهل المعرفة، وسلك معاذ أيضًا هذا المسلك حيث أخبر به الخاص من رآه أهلًا لذلك، ولا يبعد أيضًا أن يقال: نداء رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذًا ثلاث مرات كان للتوقف في إفشاء هذا السر عليه أيضًا انتهى.

تتمة: قد روى البزار بسند حسن من حديث أبي سعيد الخدري: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لمعاذ في التبشير أولًا فلقيه عمر رضي الله عنه فقال: لا تعجل، ثم دخل فقال: يا نبي الله أنت أفضل رأيًا إن الناس إذا سمعوا ذلك اتكلوا عليها، قال: فرده ) ).

وهذا معدود من موافقات عمر، وفيه جواز الاجتهاد بحضرته صلى الله عليه وسلم، وفي الحديث من الفوائد أنه يجب أن يخص بالعلم قوم فيهم الضبط وصحة الفهم، ولا يبذل المعنى اللطيف لمن لا يستأهله من الطلبة، ومن يخاف عليه الترخص والاتكال لقصور فهمه، وفيه جواز ركوب الاثنين على دابة واحدة، وفيه بيان منزلة معاذ وعزته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه تكرار الكلام لنكتة وقصد معنى، وفيه الاستفسار من الإمام عما يتردد فيه، وفيه حسن الأدب والإجابة بلبيك وسعديك، وفيه بشارة عظيمة للموحدين.

وقال الكرماني: فإن قلت: ترجمة الباب لتخصيص القوم وما في الحديث دل على تخصيص شيء واحد وهو معاذ، قلت: المقصود جواز التخصيص إما بشخص أو بأكثر، وأما أمر اختلاف العبارة فسهل أو ليس مخصوصًا بشخص لأن أنسًا أيضًا سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم كما دل عليه السياق، وأقل اسم الجمع اثنان، أو أن معاذًا نزل منزلة طائفة كما في {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا} [النحل:120] .

ج 1 ص 560

قال ابن مسعود: إنا كنا نشبه معاذًا بإبراهيم صلوات الله وسلامه عليه انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت