وبه قال:
179 - (حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ) بالمهملة المفتوحة والعين الساكنة للجميع إلا القابسي فقال: (( سعيد ) )بالياء، وسعد هذا هو أبو محمد الطلحي بالمهملتين الكوفي الضخم، مات سنة خمس عشرة ومائتين، وهو من أفراد البخاري (قال: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بفتح الشين المعجمة وسكون التحتية بعدها موحدة هو ابن عبد الرحمن (عَنْ يَحْيَى) هو ابن أبي كثير تابعي صغير.
(عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) عبد الله بن عوف تابعي أيضًا (أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ) بفتح المثناة التحتية والسين المهملة المدني تابعي أيضًا (أَخْبَرَهُ: أَنْ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ) المدني الجهني الصحابي (أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قُلْتُ) بضم التاء للمتكلم على سبيل الالتفات من الغيبة إلى التكلم؛ لقصد حكاية لفظه بعينه، وإلا فكان أسلوب الكلام أن يقول: (( قال ) ).
(أَرَأَيْتَ) بفتح التاء بمعنى أخبرني، ومفعوله محذوف؛ أي: أخبرني أنه يتوضأ أم لا؟. (إِذَا جَامَعَ) أي: الرجل امرأته مثلًا (فَلَمْ) وفي رواية الأصيلي وأبي الوقت وابن عساكر: بالواو (يُمْنِ) بضم الياء وسكون الميم وهي الرواية، واللغة الفصيحة، وقد تفتح الياء وقد تضم، وتفتح الميم وتشدد النون، فإنه يقال: أَمنَى ومَنَى ومنَّى بمعنى، والأولى أشهر وأفصح، وفي التنزيل: {أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ} [الواقعة:58] .
(قَالَ عُثْمَانُ) بن عفان رضي الله عنه (يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاَةِ) أي: الوضوء الشرعي لا اللغوي، وإنما أمره بالوضوء احتياطًا؛ لأن الغالب خروج المذي من المجامع، وإن لم يشعر به كما أن النوم ناقض للوضوء؛ لأنه مظنَّة خروج ريح من النائم.
(وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ) لتنجسه بالمذي، وهل يغسل جميعه أو ما تنجس منه؟.
مذهب أبي حنيفة والشافعي: الثاني، ومذهب مالك: الأول.
وفي تأخيره غسل الذكر عن الوضوء إشارة إلى جواز تأخيره، وأن مس الذكر لا ينقض الوضوء؛ لأن غسله لا يخلو عن مَسٍّ غالبًا، وإن أمكن بدونه على أن الواو لا تقتضي الترتيب على الصحيح (قَالَ عُثْمَانُ) رضي الله عنه (سَمِعْتُهُ) أي: جميع ما ذكر (مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) .
قال زيد: (فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيًّا) أي: ابن أبي طالب رضي الله عنه، فالسائل زيد وإن كان ظاهر السياق يقتضي أنه عثمان، لكن قرينة المعنى تدفعه (وَالزُّبَيْرَ) بن العوام (وَطَلْحَةَ) بن عبيد الله (وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ) رضي الله عنهم (فَأَمَرُوهُ) أي: أمر الصحابة المذكورون المجامع (بِذَلِكَ) أي: بأن يتوضأ، فالضمير المرفوع للصحابة المذكورين، والمنصوب للمجامع المدلول عليه بقوله: (( إذا جامع ) ).
وفي هذا الحديث: وجوب الوضوء على من جامع ولم ينزل لا الغسل، وهذا الحكم منسوخ بالإجماع على وجوب الغسل بعد أن كان في الصحابة من لا يوجب الغسل إلا بالإنزال؛ كعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والزبير، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، ورافع بن خديج، وأبي سعيد الخدري، وأبي بن كعب، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وفي التابعين أيضًا؛ كعطاء بن أبي رباح، وهشام بن عروة، والأعمش، وبعض أصحاب الظاهر.
قال في (( الفتح ) ): لا يقال: إذا كان منسوخًا كيف يصح الاستدلال به؛ لأنا نقول المنسوخ منه عدم وجوب الغسل بالأمر بالغسل، وأما الأمر بالوضوء فهو باقٍ؛ لأنه مندرج تحت الغسل،
ج 1 ص 647
والحكمة في الأمر بالوضوء قبل أن يجب الغسل، إما لكون الجماع مَظنَّة خروج المذي، أو لملامسة المرأة، وبهذا تظهر مناسبة الحديث للترجمة. انتهى.
وقال ابن الملقن: لم يقل أحد بعدم نسخه إلا ما روي عن هشام بن عروة، والأعمش، وابن عيينة، وداود.
وادعى القاضي عياض: أنه لا يعلم من قال به بعد خلاف الصحابة إلا الأعمش ثم داود. انتهى.
وقال ابن بطال: أما حديث عثمان، فأقل أحواله حصول المذي لمن جامع ولم يمن، فهو في معنى حديث المقداد في أن فيه الوضوء إلا أن أئمة الفتوى مجمعون على الغسل من مجاوزة الختان لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، وهو زيادة بيان على ما في هذا الحديث يجب الأخذ بها، إذ الأغلب حينئذٍ سبق الماء، فالتزم المسلمون الغسل من تغيب الحشفة بالسنة الثابتة في ذلك. انتهى.
وقال العيني: قال ابن حزم: روي إيجاب الغسل عن عائشة، وأبي بكر، وعمر، وابن عمر، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس، والمهاجرين.
قلت: وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأصحابهم، وبعض أصحاب الظاهر والنخعي والثوري. انتهى.
وقال الكرماني: فإن قلت: ما وجه مناسبته بالترجمة؟.
قلت: هو مناسب لجزء من الترجمة، إذ هو يدل على وجوب الوضوء من الخارج من المخرج المعتاد.
نعم: لا يدل على الجزء الآخر وهو عدم الوجوب في غيره، ولا يلزم أن يدل كل حديث في الباب على كل الترجمة، بل لو دل البعض على البعض بحيث يدل كل ما في الباب على كل الترجمة؛ لصح التعبير بها. انتهى.