وبه قال:
536 -537 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) : ولأبي ذر زيادة: (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) : ابن عيينة (قَالَ: حَفِظْنَاهُ) : أي: الحديث (مِنَ الزُّهْرِيِّ) : وفي رواية عن الزهري، وفي رواية الإسماعيلي: (( حدثنا الزهري ) ).
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ) : قال في (( الفتح ) ): كذا رواه أكثر أصحاب سفيان عنه، ورواه أبو العباس السراج عن أبي قدامة عن سفيان عن الزهري عن سعيد أو أبي سلمة أحدهما أو كلاهما، ورواه أيضًا من طريق شعيب بن أبي حمزة عن الزهري عن أبي سلمة وحده، والطريقان محفوظان، فقد رواه الليث وعمرو بن الحارث عند مسلم، ومعمر وابن جريج عند أحمد، وابن أخي الزهري وأسامة بن زيد عند السراج، ستتهم عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة كلاهما عن أبي هريرة. انتهى.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلاَةِ) : ندبًا والمراد بها الظهر؛ لأنها التي يشتد الحر في أول وقتها (فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) : ظاهر الحديث يقتضي وجوب الإبراد، لكن صرفه إلى الندب أن العلة فيه دفع المشقة عن المصلي لشدة الحر فصار من باب الشفقة والرفق بالمصلي كما تقدم.
(وَاشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا) : قال في (( الفتح ) ): في رواية الإسماعيلي قال: واشتكت النار وفاعل قال هو النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالإسناد المذكور.
قيل: ووهم من جعله موقوفًا أو معلقًا. وقد أفرده أحمد في (( مسنده ) )عن سفيان وكذلك السراج من طريق سفيان وغيره.
وقد اختلف في هذه الشكوى هل هي بلسان المقال أو بلسان الحال؟ واختار كلًا طائفة.
وقال ابن عبد البر: لكلا القولين وجه ونظائر، والأول أرجح.
وقال عياض: إنه الأظهر.
وقال القرطبي: لا إحالة في حمل اللفظ على حقيقته. قال: وإذا أخبر الصادق بأمر جائز لم يحتج إلى تأويل فحمله على حقيقته
ج 2 ص 324
أولى.
وقال النووي نحو ذلك ثم قال: حمله على حقيقته هو الصواب.
وقال نحو ذلك التوربشتي، ورجح البيضاوي حمله على المجاز فقال: شكواها مجاز عن غليانها وأكلها بعضها بعضًا مجاز عن ازدحام أجزائها، وتنفسها مجاز عن خروج ما يبرز منها.
وقال الزين بن المنير: المختار حمله على الحقيقة لصلاحية القدرة لذلك أو لأن استعارة الكلام للحال وإن عهدت وسمعت، لكن الشكوى وتفسيرها والتعليل له والإذن والقبول والتنفس وقصره على اثنين فقط بعيد عن المجاز خارج عما ألف من استعماله. انتهى.
وقال أبو الوليد الطرطوسي: وإذا قلنا إنه حقيقة فلا يحتاج إلى أكثر من وجود الكلام في الجسم أما في تحاجت النار والجنة فلا بد من وجود العلم مع الكلام؛ لأن المحاجة تقتضي التفطن.
وقال ابن رجب: المحققون على أن الله تعالى أنطقها نطقًا حقيقيًا كما تنطق الأيدي والأرجل والجلود يوم القيامة، وكما أنطق الجبال وغيرها من الجمادات بالتسبيح والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك مما سمع نطقه في الدنيا ويشهد لذلك: ما أخرجه أحمد والترمذي وصححه عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( يخرج عنق من النار يوم القيامة، له عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق، يقول: إني وكلت بثلاث: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلهًا آخر، وبالمصورين ) ).
وخرجه البزار عن أبي سعيد مرفوعًا بلفظ: (( يخرج عنق من النار يتكلم بلسان طلق ذلق، لها عينان تبصر بهما، ولها لسان تتكلم به ) )الحديث. انتهى.
وورد أن جهنم تقاد بسبعين ألف زمام وأنها تخاطب المؤمن تقول: جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي.
وقال الدراوردي: والحديث يدل على أن النار تفهم وتعقل وقد جاء أنه ليس شيء أسمع من الجنة والنار وقد ورد أن الجنة إذا سألها العبد أمنت على دعائه وكذا النار.
ويؤيد الحمل على الحقيقة ظاهر قوله: (فَقَالَتْ: يَا رَبِّ) : وللأربعة: (أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا رَبُّهَا بِنَفَسَيْنِ) : تثنية: نفس بفتح الفاء وهو ما يخرج من الجوف من الهوى ويدخل فيه (نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ) : هو الزمهرير.
(وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ) وَهُوَ أشد الحر ونفس فيهما بالجر على البدلية، وهي الرواية وجوز الحافظ والعيني والقسطلاني ومن تبعهم أن يكون الجر على البيان وذلك مما يأباه البصريون؛ لأن البيان لا يجري في النكرات.
وجوز العيني وتبعه القسطلاني في نفس الرفع والنصب وإن لم يساعد الثاني الرسم.
وفي الحديث من أنواع البديع التوشيع مثل يشيب ابن آدم ويشب معه خصلتان الحرص وطول الأمل.
(أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ) : أي: الذي تجدونه (مِنَ الْحَرِّ) : قال في (( الفتح ) ): يجوز في أشد الكسر على البدل، لكنه في روايتنا بالرفع.
قال البيضاوي: وهو خبر مبتدأ محذوف تقديره فذلك أشد.
وقال الطيبي: جعل أشد مبتدأ محذوف الخبر أولى، والتقدير أشد ما تجدون من الحر من ذلك النفس.
قلت: يؤيد الأول رواية الإسماعيلي من هذا الوجه بلفظ فهو أشد، ويؤيد الثاني رواية النسائي من وجه آخر بلفظ فأشد ما تجدون من الحر من حر جهنم، وفي سياق المصنف لف ونشر غير مرتب، وهو مرتب في رواية النسائي. انتهى.
(وَأَشَدُّ) : عطفًا على أشد بوجهيه (مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ) : من ذلك النفس والمراد بالزمهرير شدة البرد.
قال في (( الفتح ) ): واستشكل وجوده في النار ولا إشكال؛ لأن المراد بالنار محلها وفيها طبقة زمهريرية. انتهى.
والذي خلق الملك من الثلج والنار قادر على جمع الضدين في محل واحد.
وفيه أن النار مخلوقة موجودة الآن وهو أمر قطعي للتواتر المعنوي خلافًا لمن قال من المعتزلة أنها إنما تخلق يوم الجزاء.
ويستحب الاستعاذة من حرها وزمهريها عند وجودهما فقد روى عثمان الدارمي وغيره من رواية دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد أو عن أبي حجرة الأكبر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا كان يوم حار فإذا قال الرجل: لا إله إلا الله ما أشد حر هذا اليوم اللهم أجرني من حر نار جهنم قال الله لجهنم: إن عبدًا من عبادي استجارني من حرك، وأنا أشهدك أنني قد أجرته، وإذا كان يوم شديد البرد فإذا قال العبد: لا إله إلا الله ما أشد برد هذا اليوم اللهم أجرني من زمهرير جهنم قال الله لجهنم: إن عبدًا من عبادي قد استعاذني من زمهريرك وأنا أشهدك أني قد أجرته ) )قالوا: وما زمهرير جهنم؟ قال: (( بيت يلقى فيه الكافر فيتميز من شدة بردها ) ).