وَالثَّانِي: يَصِحُّ إِذَا كَانَتِ الأَْرْضُ عَالِيَةً لاَ يَطْمَعُ فِي سَقْيِهَا؛ لأَِنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكْتَرِهَا لِلزِّرَاعَةِ. وَإِنْ كَانَتْ مُنْخَفِضَةً يَطْمَعُ فِي سَقْيِهَا بِسَوْقِ الْمَاءِ إِلَيْهَا مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ، لَمْ تَصِحَّ؛ لأَِنَّهُ اكْتَرَاهَا لِلزِّرَاعَةِ مَعَ تَعَذُّرِ الزِّرَاعَةِ؛ لأَِنَّ مُجَرَّدَ الإِْمْكَانِ لاَ يَكْفِي، إِذْ لاَ بُدَّ مِنْ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ وُصُول الْمَاءِ إِلَيْهَا عَلَى الأَْرْجَحِ. (1)
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ: لاَ بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ مَا تُسْتَأْجَرُ لَهُ الأَْرْضُ مِنْ زِرَاعَةٍ أَوْ غِرَاسٍ. وَلاَ بُدَّ أَيْضًا مِنْ بَيَانِ نَوْعِ مَا يُزْرَعُ أَوْ يُغْرَسُ، وَإِلاَّ فَسَدَ الْعَقْدُ؛ لأَِنَّ الأَْرْضَ تُسْتَأْجَرُ لِلزِّرَاعَةِ وَغَيْرِهَا، وَمَا يُزْرَعُ فِيهَا، مِنْهُ مَا يَضُرُّ بِالأَْرْضِ وَمَا لاَ يَضُرُّ، فَلَمْ يَكُنِ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَعْلُومًا. وَلِذَا وَجَبَ الْبَيَانُ، أَوْ يَجْعَل لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا مَا شَاءَ. وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ أَيْضًا أَنَّهُ قَال: لاَ يَصِحُّ حَتَّى يُبَيِّنَ الزَّرْعَ؛ لأَِنَّ ضَرَرَهُ يَخْتَلِفُ. (2)
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ زَرَعَهَا مَعَ ذَلِكَ الْفَسَادِ وَمَضَى الأَْجَل، فَلِلْمُؤَجِّرِ الْمُسَمَّى، اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ لاَ يَجُوزُ، وَهُوَ قَوْل زُفَرَ؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ فَاسِدًا، فَلاَ يَنْقَلِبُ جَائِزًا.
وَوَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ أَنَّ الْجَهَالَةَ ارْتَفَعَتْ قَبْل تَمَامِ الْعَقْدِ. (3)
(1) حاشية الدسوقي 4 / 48، والمهذب 1 / 395، 396، وكشاف القناع 3 / 269، 4 / 12، 13، ومغني المحتاج 2 / 336 ط مصطفى الحلبي، والروضة للنووي 5 / 181 ط المكتب الإسلامي.
(2) المغني 6 / 59 ط المنار 1347 هـ
(3) الهداية 3 / 242، 243، والبدائع 4 / 183، والفتاوى الهندية 4 / 440، 441