قال: اختصموا، لِمَ لَمْ يقل الله عزَّ وجل: هذان خصمان اختصما؟ هكذا الأَوْلَى، أو هؤلاء خصومٌ اختصموا؟ هذه تسمَّى في البلاغة نكتة بلاغيَّة ..
{هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا}
أيْ أنَّ هؤلاء، أصحاب المِلَلِ والنِحَل والمذاهب على كثرتهم هم في النهاية زمرتان، أناسٌ على حق وأناسٌ على باطل، أناسٌ خيِّرون وأناسٌ شريرون، أناسٌ مهتدون، وأناسٌ ضالون، أناسٌ ملتزمون وأناسٌ متفلِّتون، أيْ أنَّ كل هؤلاء في النهاية يرجعون إلى زمرتين اثنتين ..
{هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ}
في ربهم، أي أن الجهة الأولى وصفت الله عزَّ وجل بما يليق به، وصَفتْه بالعدل، وصفته بالرحمة، وصفته بالعِلم، وصفته بالقُدرة، بناءً على وصفهم الصحيح أطاعوه، وعبدوه، وتقرَّبوا إليه فرفعهم، وأسعدهم، والفريق الثاني لم يصف الله بما يستحق، قالوا: له شريك، اتخذ الملائكة بناتٍ .. كما يقولون .. فإذا لم تصف ربَّك الوصف الصحيح، ولم تنزِّهه عما لا يليق به، ونسبت إليه الظلم، فأنت عندئذٍ لا تطيعه، بل تتعلَّق بالأماني.
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ}
(سورة آل عمران: من آية"24")
عندما يكون وصف الإنسان لله غير صحيح يتكئ على الأمل، وعلى معانٍ ما أنزل الله بها من سلطان ..
{هَذَانِ خَصْمَانِ}
الناسُ فريقان؛ فريق عرف الله فاستقام على أمره، وعمل صالحًا فسعد في الدنيا والآخرة، وفريق آخر ما عرف الله، ونسب إليه الظلم، نسب إليه البنات، نسب إليه الشُركاء، أو قال: خلق الكون، وترك الناس يفعلون ما يشاؤون، أو أن الله أعطى الإنسان قوَّة كما يقول المعتزلة، ثم هو يفعل بقوَّته ما يشاء ..
{هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ}