تفسير القرآن: سورة غافر (40) ـ الدرس (3) ـ الآيات [4 ـ 9] لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الثالث من سورة غافر، ومع الآية الرابعة من هذه السورة، يقول الله سبحانه و تعالى:
{مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ}
1 ـ العقل أداة بحسب الاستعمال:
ذكرت لكم في الدرس الماضي أن العقل البشري أعظم شيءٍ خلقه الله في الكَون، إنما خلقه من أجل أن يكون أداةً لمعرفة الله، فكيف يستخدمه الإنسان أداةً لتغطية الانحراف، وفلسفة الشرك، وترويج الباطل، وتبرير الخطيئة؟ ذكرت مثلًا لعلَّه يوضِّح تلك الآية:
لو أن جهازًا طابعًا ـ آلةً طباعة ملوَّنةً ـ أي أنها تُعَدُّ قمَّةً في بابها، لو أُعطيت لمهندسٍ فاستخدمها في اختصاصه لقفزت أعماله قفزةً نوعيَّة، ولكانت هذه الآلة الطابعة الملوَّنة ـ التي تظهر أدقَّ الألوان ـ معوانًا له في عمله، ولارتقى عمله درجاتٍ كبيرة؛ ولو أن إنسانًا اشترى هذه الآلة، واستخدمها في تزوير النَقد، ووقع تحت طائلة القانون والعقوبات، فأودِعَ في السجن، فالآلة هي هِي، عندما استخدِمَت لما صُنِعَت له، فارتقى َمن استخدمها، وحقَّق أرباحًا طائلةً، ولمع اسمه، واستخدمها إنسانٌ سيئ بأبشعِ استغلال، واستخدمها لغير ما صُنِعَت له، فأودِعَ في السجن وصُودرت أمواله كلها، فالآلة رفعت الأول، والآلة أهلكت الثاني.