تفسير القرآن الكريم ـ سورة التوبة"9": الدرس: 15 ـ الآية: 16 ـ مراقبة الإنسان لنفسه ومن خلال هذه المراقبة يتقرب إلى ربه ـ لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الخامس عشر من دروس سورة التوبة، ومع الآية السادسة عشرة وهي قوله تعالى:
{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}
أيها الأخوة الكرام، حقيقة هذه الدنيا أنها دار ابتلاء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببًا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضًا، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي.
هذه الدنيا دار عمل وليست دار جزاء، هذه الدنيا دار تكليف وليست دار تشريف، هذه الدنيا دنيا، وبعدها حياة عُليا، دار دنيا ودار عُليا، الدار الدنيا فيها متاعب، فيها ابتلاءات، فيها أمراض، فيها هموم، فيها أحزان، فيها موت، فيها مرض، فيها فقر، فيها قهر، طبيعة الحياة الدنيا إعداد للآخرة، لذلك اعلم يقينًا أنك مبتلى شئت أم أبيت.
الأمام الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ سُئل: ندعو بالابتلاء أم بالتمكين؟ فقال: لن تمكن قبل أن تبتلى.
لا تصدق أيها المؤمن أن تصل إلى الجنة التي عرضها السموات والأرض والذي فيها:
(( ما لا عين رأتْ، ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ) )