تفسير القرآن: سورة القصص (28) ـ 31/ 8/1990 ـ الدرس (15) : الآيات: [76 ـ 77] ـ لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الخامس عشر من سورة القصص، وصلنا في الدرس الماضي في سورة القصص إلى قصة قارون، والحقيقة أن بين آيات القرآن الكريم اتصالًا، وارتباطًا، وتسلسلًا، وقد يسأل سائل: لمَ لا تكون آيات الإخباريات في فصل، والكونيات في فصل، والقصص في فصل، وما شاكل ذلك؟ لِمَ لا يُفْرَزُ القرآن فرزًا موضوعيًا إن صَحَّ التعبير؟
الحقيقة هذا القرآن كتاب هدايةٍ وإرشاد، وربنا سبحانه وتعالى هو الحكيم الخبير، يأتيك بآيةٍ كونية تنبهر لها، ويأتيك بخبرٍ من التاريخ فتتَّعِظُ به، ويأتيك بقصةٍ فتتأثر بها، فمن خبرٍ إلى قصةٍ إلى آيةٍ إلى مشهدٍ إلى إنذارٍ إلى بشارةٍ، فتنوُّع الموضوعات يسير مع النفس البشرية، ولذلك فتنظيم آيات القرآن تنظيمٌ نفسي، لأنه في الأصل كتاب هدايةٍ وإرشاد، فلذلك جاءت قصة قارون.
ولكن ما علاقتها بالسورة؟ لها ارتباطان بالسورة.
الارتباط الأول هو أن الله سبحانه وتعالى في مطلع السورة حدَّثنا عن فرعون، وفرعون يُمَثِّل القوة الآمرة الناهية، إذا طغت وبغت فمصيرها هو الهلاك، والقوة الثانية التي تأخذ بالأبصار هي قوة المال يمَثِّلها قارون، فقوة الملك والسلطان يمثلها فرعون، وقوة المال والعلم يمثلها قارون، قال:
{قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي}
(سورة القصص: الآية 78)