ماء الحياة، هذا الحوين الذي لا يُرى بالعين، يكون في اللقاء الواحد مع عددٍ كبير يزيدُ عن ثلاثمئة مليون حوين، تتنافس جميعًا على تلقيح بويضة المرأة، أما كيف تنطلق هذه الحوينات؟ وكيف صُمِّمَت بشكلٍ مخروطي وعنقٍ وذنب؟ وكيف تسبح في الماء لتصل إلى بغيتها البويضة؟ كم منها يصل إلى البويضة، وكم منها يهلك على الطريق؟ هذا موضوعٌ بالغ التعقيد.
على كلٍ كيف تختار البويضة أقوى هذه الحوينات؟ وإذا اختارته كيف تسمح له بالدخول؟ وكيف يدخل؟ مادَّةٌ نبيلة ـ كما يقول العلماء ـ مُغَشَّاةٌ بغشاءٍ رقيق، إذا اختارت البويضة هذا الحوين واصطدم هذا الحوين بالبويضة، فإنَّ هذه المادة النبيلة تذيب جدار البويضة ليدخلها الحوين، فإذا دخل إلى البويضة ولقَّحها أُغْلِقَ الباب، وأُعْلِنَ لبقيِّة الحوينات الثلاثمئة مليون أنه لا فُرصة الآن للدخول، لقد اختارت البويضة أحد هذه الحوينات، بل أقواها.
وكيف يُلقِّحُ هذا الحوين تلك البويضة؟ وكيف يحمل الحوين المورِّثات؟ وقد قدَّرها العلماء بخمسة آلاف مليون معلومة في الحوين، وفي البويضة أيضًا خمسة آلاف مليون، كيف أن هذا الحوين وتلك البويضة يتَّحدان، ثمَّ ينقسمان إلى عشرة آلاف خليّةٍ في أيامٍ معدودة؟ كيف تنقسم هذه البويضة المُلَقَّحة من دون أن يزداد حجمها؟ لأنه لو زاد حجمها لاستعصى عليها أن تتابع السير إلى الرَحِم.
وكيف هذه المورِّثات تحدِّد طول الجنين؟ ولونه؟ ونوع شعره؟ ولون عينيه؟ وشكل حاجبيه؟ وشكل خدِّه؟ وعدد الشعر في جسمه؟ كيف تحدِّد أعضاءه وبنيتها؟ كيف تحدِّد طباعه؟ خمسة آلاف مليون معلومة تتحد مع خمسة آلاف مليون معلومة لتشكِّل هذه العلقة التي تغدو مضغة، فتغدو عظامًا، فتكسى العظام لحمًا، ثم يُنْشِئُهُ الله خلقًا آخر.
قال تعالى:
{فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) }
(سورة المؤمنون)