فهذه السمكة العاقلة جدًا قبل أن يعود الصيادان أصبحت خارج الغدير، وارتاحت أعصابها، وأما الكيِّسة فمكثت في مكانها حتى عاد الصيادان، هذه تعيش وقتها، فوجئت، رجع الصيادان ومعهما الشبكة، فذهبت لتخرج من حيث خرجت رفيقتها، فإذا بالمكان قد سُد، الصيادان سدّوه فقالت: فَرَّطْتُ، وهذه عاقبة التفريط .. هذا جزاء عملي .. غير أن العاقل لا يقنط من منافع الرأي، فتظاهرت أنها ميتة، ثم إنها تماوتت، فطفت على وجه الماء، فأخذها أحد الصيادين .. أمسكها بيده .. ووضعها على الأرض بين النهر والغدير، فوثبت في النهر فنجت، لكن هذه غامرت وقامرت، كان من الممكن ألا تنجو، فلو وضعها في مكانٍ بعيد لماتت، وأما العاجزة فلم تزل في إقبالٍ وإدبارٍ حتى صيدت، إذًا العاجز دائمًا يعيش ماضيه أولًا، ويستهلك وقته استهلاكًا رخيصًا، فيأتيه الموت فجأةً، وهو ليس مستعدًا له.
فلذلك نقلنا ربنا عزّ وجل نقلة، نقلنا إلى مشهد من مشاهد يوم القيمة، قال لك:
{وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ • وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ • فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}
والحمد لله رب العالمين