لم يقل: إن بعد العسر يسرًا، بل قال: {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} ، أولًا أفعال الله عزَّ وجل فيها كل أسمائه، فالله قوي، وقهَّار، وجبَّار، لكن لطيف، ورحيم، وودود، وعفو، وغفور، فكل أسمائه داخلةٌ في كل أفعاله، لذلك:
{وَإِذَا مَسَّ}
الإنسان هذا المخلوق قبل أن يعرف الله أودِعَت فيه خصائص، كل هذه الخصائص لمصلحته، لكنها في الوقت نفسه حياديَّة، فهذا المحرِّك في السيارة مثلًا، أيعقل أن يكون إنسان ركب مركبة ووقع له فيها حادث وتدهورت، ويقول: يا أخي هذا المحرِّك إنما صُنِعَ من أجل أن ألقى هذه النتيجة، لا، صُنِعَ هذا المحرِّك كي تستعمله وفق الأصول، وكي تحقِّق من خلاله أهدافك من هذه المركبة، لكنك حينما قُدَّتَ هذه المركبة قيادةً غير حكيمة، ولم تكن منتبهًا ولا واعيًا حينما قدتها، بل كنت غارقًا في الشراب، فنقلتك إلى الوادي، وأصابتك بما أصابتك مثلًا، فلا تقل: المعمل حينما صنع هذا المحرِّك إنما صنعه ليؤذيني، لا ثم لا.
لذلك الحظوظ كلُّها، جميع أنواع الحظوظ التي أودعها الله في الإنسان حظوظٌ حياديَّة، يمكن أن ينتفع بها في آخرته، ويمكن أن يهوي بها في جهنَّم، والحظوظ تمامًا كدرجات أو دركات، درجاتٌ إلى الجنة يرقى بها، ودركاتٌ إلى النار يهوي بها، المال هو نفسه يمكن أن يكون سلَّمًا إلى الجنَّة، والمال نفسه يمكن أن يكون دركات إلى النار، وكذلك الأولاد، فالكافر مثلًا لا ينجب إلا ولدًا كافرًا في الغالب لأنه هو الذي ينشئهم ويربيهم ..
{إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا}
[سورة نوح: 27]
أجل، يُنَشِّئُ ابنه على معصية الله، ينشِّئه على أن هذا الدين لا يصلح لهذا الزمان، هكذا يُلقي في روعه، فالولد، المال، الصحَّة، الذكاء كل هذه الحظوظ حياديَّة، بإمكانك أن ترقى بها إلى الله، وبإمكان الإنسان أن يهوي بها إلى النار، فلذلك:
{وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ}