الذي لا يخاف جاهل، وبالمناسبة ما أكثر ما ذكرت هذه الحادثة، فبعض الفلاَّحين يأخذون أطفالهم الصِّغار جدًًّا، ابن سنة مثلًا، إلى الحقل، أثناء الحصيد، وقد يمرّ ثعبان كبير وقد يبقى بِجانِب طفلٍ صغير، فهذا الطِّفل الصغير يضعُ يده على الثعبان ويألفُهُ ويستأنس به ولا يعرف ما خطورة هذا الكائن، فلو كان كبيرًا لصاحَ بأعلى صوته! فعَدَم الخوف يدلّ على عدم الإدراك، والإنسان يخاف بِقَدْر عِلمهِ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام رأس الحكمة مخافة الله، وأشدُّكم لله خشيَةً أنا، هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام، وسيّدنا عمر رضي الله عنه كان يقول: أتمنَّى أن أنقلب إلى الله لا إلي ولا عليّ، ليت أمّ عمر لم تلِد عمر، ليتها كانت عقيمًا، هذا عِملاق الإسلام المبشَّر بالجنَّة، الذي جنّد الجند، وفتح البلاد، وجهَّز الجيوش، وفتح الله على يديه أطراف الدنيا، وكان زاهدًا متقشِّفًا، يُضرب به المثل في الورَع، والزُّهد والعدل، ومع ذلك قال: أتمنَّى أن أنقلب إلى الله لا إلي ولا عليّ، ليت أمّ عمر لم تلِد عمر، ليتها كانت عقيمًا، هذا كلام حقيقي وليس تمثيلًا لِشِدَّة معرفته بالله كانت خشيتُهُ منه كبيرة و موجعة، وأنت تخشى الله بِقَدْر معرفتك به، كلّما ازددْت منه معرفةً ازْددْت به خشْيةً، قال تعالى:
وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (23)
التعريف بالإنسان الجاهل:
من هو الجاهل؟ هذا الذي يرتكب الموبقات، ويعتدي على أموال الناس وعلى أعراضهم، ويظنّ أنّ هذا العمل فيه ذكاء وبطولة، ثم هو يتبجَّح بين الناس بِعُدْوانه على الآخرين، وعُدوانه على أعراضهم، هذا جاهل حقًًّا، هذا الذي لا يرى العقاب الحتْمي، ولا يرى المصير الحَتمي لِكُلّ معْصِيَة وانْحراف، فهو جاهل حقًًّا، قال تعالى:
قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (23)