فكلامه تشريع، وأفعاله تشريع، وإقراره تشريع، ولكن لئلا يختلط مقام النبوة والرسالة مع مقام الألوهية سُمِح للنبي عليه الصلاة والسلام بهامشٍ اجتهادي ضيقٍ جدًا، يجتهد فيه؛ فإن أصاب أصاب، وإن اجتهد خلاف الأَوْلى جاء الوحي فصحح له، ولماذا سُمِحَ له بجانبٍ اجتهادي؟ ليكون هناك فرقٌ بين مقام الإله ومقام النبيّ، ولئلا يُعْبَد النبي مِن دون الله.
أيها الأخوة، الحقيقة الأولى هي أنه لا معصية من دون تكليف، لهذا المسجد أبوابٌ ثلاثة، ليس هناك باب مسموح الخروج منه وباب ممنوع، لو وُضِعتْ لوحة ممنوع وأخرى مسموح وخرج إنسان من الممنوع لكان عاصيًا، فالحقيقة الأولى: لا معصية من دون تكليف.
النبي عليه الصلاة والسلام جاءه أحد زعماء قريش، والشيء المألوف، والمعروف، والطبيعي، والمنطقي أن هذا إذا أسلم أَسلم معه خَلْقٌ كثير، الناس متبوعون وأتباع، المتبوعون يتبعون الأعلام دائمًا، فكل إنسان إذا سعى لهداية إنسانٍ متبوعٍ، فكل أتباعه سوف يقلِّدونه، فحرْصُ النبي عليه الصلاة والسلام على هداية هذا الإنسان حرصٌ كبير، وهذا موقفٌ طبيعي، وصحيح، ومألوف، ومنطقي، وواقعي.
بربكم، لو أن أحدًا مِن الأخوة الدعاة خُيِّرَ بين أن يلتقي برجلين؛ رجلٍ محبٍ، مستقيمٍ، تائبٍ، عابدٍ، سائحٍ، ورجلٍ منكرٍ، معترضٍ، مُعاندٍ، أيهما أهون عليك: أن تلتقي مع محبٍ، مع خاضعٍ، مع مؤمنٍ مستسلمٍ، أم مع منكرٍ، معاندٍ، فظٍ، غليظ؟ الأهون أن تلتقي مع إنسان مؤمن، والجلسة عندئذ مُرِيحة جدًا. والنبي اجتهد لا لراحته، ولا لصالحه، ولكن لصالح الدعوة، فاختار الأصعب، واختار الأقوى، واختار الأشد، اختار الإنسان المتعِب، فكان مهتمًا بهذا الإنسان، فجاءه أحد أصحابه الكرام، ابن أم مكتوم، وكان كفيف البصر، وقال: يا محمد يا محمد، والنبي عليه الصلاة والسلام انزعج منه، وأعرض عنه، وتغيَّر لون وجهه.