هذا هو الإسلام، الإسلام جعل الناس سواسية كأسنان المشط، سيدنا أسامة بن زيد كان شابًا لا تزيد سنه عن سبعة عشر عامًا، وكان أسود اللون أفطس الأنف، وكان حِبَّ رسول الله، وكان يسمى بين الصحابة الحِبَّ ابن الحِب، كان هو حِبَّ رسول الله، أي محبوب رسول الله، وكان أبوه كذلك، لما ولاه النبي صلى الله عليه وسلم قيادة الجيش، وتوفي ولم يُرسل هذا الجيش، فتابع سيدنا الصديق أمر إنفاذ الجيش، وفيه عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، كبار الصحابة كانوا جنودًا تحت إمرته، وهو لا تزيد سنه عن سبعة عشر عامًا، والصحابة تكلموا، فقالوا: ما هذا؟ هذا يقودنا؟ رفعوا أمرهم إلى سيدنا عمر، وسيدنا عمر كان ذكيًا، تبنَّى رأيهم ليسمعهم رد الصديق، فما كان من سيدنا أبي بكر رضي الله عنه إلا أن أمسكه من لحيته وكادت تنخلع بيده، وهزه هزًا عنيفًا، وقال: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب، أجبَّار في الجاهلية خوَّار في الإسلام، أتمنعني أن أنفذ جيشًا جيَّشه رسول الله، واللهِ لينفذن يقوده أسامة، وخرج سيدنا الصديق وهو الخليفة الوقور، خرج يمشي وأسامة راكب على ناقة، لم يحتمل أسامة هذا الموقف، قال: واللهِ يا خليفة رسول الله لتركبنَّ أو لأنزلن، فقال: والله لا ركبت ولا نزلت، وما عليَّ أن تغبرَّ قدماي ساعة في سبيل الله، وسار بركابه، فلما وصلا إلى مكان تجمع الجيش استأذنه بعمر، أتأذن لي بعمر ليكون وزيرًا معي، هذا الإسلام. إنّ اللون لا قيمة له، والأصل لا قيمة له، ومكان الولادة لا قيمة له، وكذا مكانة الأبوين، لا قيمة إلا قيمة واحدة:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}
[سورة الحجرات: 13]