الشاهد الثالث والستون بعد الأربعمائة [1] , [2]
عَلَفْتُهَا تِبْنًا وماءً باردًا ... حتى شتتْ همّالةً عيْنَاهَا
أقول: هذا رجز مشهور بين القوم، ولم أر أحدًا عزاه إلى راجزه.
والضمير المنصوب في"علفتها"يرجع إلى الدابة التي يريدها الراجز, قوله:"حتى شتت"ويروى: حتى بدت، ومعناهما واحد, قوله:"همالة": من هملت العين إذا همرت، يعني: صبت دمعها.
الإعراب:
قوله:"علفتها": جملة من الفعل والفاعل والمفعول، وقوله:"تبنًا": مفعول ثان"وماء": عطف عليه، و"باردًا"صفته, قوله:"حتى": للغاية، والمعنى إلى أن شتت، و"شتت": فعل ماض، و"عيناها": كلام إضافي فاعله، و"همالة"نصب على التمييز [3] .
الاستشهاد فيه:
في عطف الماء على التبن فلا يصح أن يقال: الواو [4] في قوله:"وماء"للمعية والمصاحبة؛ لانعدام معنى المصاحبة، ولا يشارك قوله:"وماء"فيما قبله، فتعين أن ينتصب بفعل مضمر يدل عليه سياق الكلام، وهو أن يقال: التقدير: علفتها تبنًا وسقيتها ماء.
وقال ابن عصفور: إنهم ذهبوا إلى أن الاسم الذي بعد الواو معطوف على الاسم الذي قبلها ويكون العامل [في الاسم] [5] الذي قبل الواو قد ضمن في ذلك معنى يتسلط على الاسمين، فيتضمن علفتها معنى أطعمتها؛ لأنه إذا علفها تبنًا فقد أطعمها، وكأنه قال: أطعمتها تبنًا وماء، ويقال: أطعمته ماء، قال اللَّه - سبحانه وتعالى: {وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي} [البقرة: 249] [6] .
(1) ابن الناظم (113) ، وأوضح المسالك (2/ 56) ، وشرح ابن عقيل (2/ 207) .
(2) البيتان من بحر الرجز المشطور بلا نسبة في الخصائص (2/ 431) ، والدرر (6/ 79) ، وشرح التصريح (1/ 346) ، والإنصاف (357) ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي (1147) ، وشرح شواهد المغني (1/ 58) ، والمغني (632) ، وهمع الهوامع للسيوطي (2/ 130) ، والخزانة (3/ 139) ، ولهما رواية غير ذلك وهي:
لما حططت الرحل عنها واردًا ... علفتها تبنًا وماء باردًا
(3) نقد صاحب الخزانة العيني في هذا البيت في موضعين وهما: أن شتت بمعنى بدت، وإعرابه همالة تمييزًا، ثم قال: إن شتت بمعنى: أقامت شتاء، وهمالة حال. الخزانة (3/ 141) .
(4) في (أ) : إن الواو.
(5) ما بين المعقوفين سقط في (ب) .
(6) ينظر ما قاله في شرح الجمل"الكبير" (2/ 453) حول قول الشاعر:"وماء باردًا"، وينظر معه شرح المقرب =