إذا عَلَّقْنَا آمالًا كبيرة على أن يربِّي هذا الأب ابنه، كيف يربي الأب ابنه إذا كان الابن مستغنيًا عن أبيه؟ لا! حاجات الابن كلها متعلقة بأبيه، يحتاج إلى الطعام والشراب، وإلى تأمين الحاجات، حاجات الابن الكثيرة التي أودعها الله عند الأب تتيح للأب أن يربيه، فالضعف صفةٌ أودعها الله في الإنسان لمصلحته.
مثل آخر توضيحًا للحقيقة، لماذا يمرض الإنسان؟ الله سبحانه وتعالى قادر على أن يخلق الإنسان من دون مرض، لو أن الله عز وجل خلق الإنسان من دون مرض فلماذا التوبة؟ ولماذا العودة إلى طريق الحق؟ ولماذا الإقلاع عن المعصية؟ ولو أنه شديد عتيد لا يخشى أحدًا، صحة طيبة، لكن الأمراض أو شبح الأمراض هذه التي تضعف الإنسان تجعله يخضع لله عز وجل، ويتوب إليه يتضرع إليه، يقبل عليه بسبب أن الإنسان ضعيف، والإنسان أيضًا هلوع.
{الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا}
(سورة المعارج)
هلعه يجعله يحتمي بربه، كيف يعود الابن إلى أمه متشبثًا بأذيالها؟ لخوفه من الكلب العقور، فلولا خوف الطفل من الكلب لما التجأ إلى أمه، فهذا الهلع في مصلحة الإنسان، أما لماذا خلق الإنسان عجولًا؟ ولماذا كان عجولًا؟ لو كان الإنسان بشكل أو بوضعٍ آخر على نقيض العجلة، لو أنه يبحث عن المستقبل البعيد، لكان في تعلقه بالآخرة منسجمًا مع طبيعته، ولما ارتقى بهذا التعلق، بل لأنه عجول، فإذا آثر الآخرة على العاجلة فقد خالف هوى نفسه، وخالف طبيعته، وبهذا يرقى.
{فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى}
(سورة الليل)
{وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى}
(سورة النازعات)