وبالنسبة لله سبحانه وتعالى كلا الحالين سواء، ولكن كتهيئَةٍ وتمهيدٍ لأذهاننا جاءت قصة سيدنا زكريا قبل قصة سيدنا عيسى، إذْ إنّ الأولى تمهيدٌ للثانية، وقد بَيَّنْتُ بفضل الله عزَّ وجل كيف أن الإنسان لا يملك إلا الطَلَب، ما كان من هذا النبي العظيم إلا أن طلبَ وليًا يرثه في الدعوة إلى الله، فكان أن لبَّى الله طلبه، لذلك جاء في مطلع هذه السورة:
{ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا}
هذه رحمة الله عزَّ وجل، ليس لك إلا أن تطلب بصدقٍ وإخلاص، وعلى الله الباقي، وأكَّدتُ لكم أن المَعْنِىَّ هو نحن، لأن هذا النبي الكريم مضى، وهو في جنَّات القُرُبات، ولكننا نحن الذين نقرأ هذا القرآن نحن المعنيّون بهذه القصة، فكلما ضاقت بنا الأمور، وكلما رغبنا بشيءٍ يُعَدُّ من رحمة الله عزَّ وجل، ليس لنا إلا أن ندعوَ الله عزَّ وجل مخلصين صادقين حتى تكون الرحمة، لأن النبي الكريم سيدنا زكريا يقول:
{وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا}
أي ما دعوتك في الماضي دعوةً وحرمتني من الإجابة، وربنا سبحانه وتعالى يُحَدِّثُنا عن مريم ابنة عِمران، يقول:
{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا}
قصة مريم ابنة عمران:
أيْ اذكر يا محمد لقومك، واذكر لهم هذه القصة التي جاءت في الكتاب، واذكر يا محمدُ لقومك هذه القصة لا لذاتها، بل لتكون دليلًا على كمال قدرة الله عزَّ وجل.
{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا}
عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: