فهرس الكتاب
فالله عزَّ وجل ذكر النفحة تصغيرًا لهذا العذاب، إنها شيء طفيف جدًا، نفحة، جعلها نكرة، وجعلها مفردة، وعبَّر عنها بالمس، وليس أصابهم، بل مس، فلو كان التيار الكهربائي عالي التوتر، ومسه الإنسان مسًا خفيفًا لانتفض من أخمص قدميه إلى قمة رأسه، على المس، أما لو أمسكه فيصبح فحمًا على الفور، فالمس غير الإمساك، إذا أمسك الإنسان تيارًا كهربائيًا يتفحم على الفور إذا كانت شدته ستة آلاف فولط، أما لو اقترب من ساحة هذا التيار فيصعق، فربنا عزَّ وجل عبَّر عن أن عذاب الله لا يحتمل، لو أن نفحةً منه مسَّت بعضهم مسًا! ..
{وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ}
أين استغناؤهم؟ أين إهمالهم؟ وإعراضهم؟ وكبرهم؟ واستخفافهم، واستهزاؤهم؟ كله تلاشى، لأن الكافر يخاف بعينه، ولا يتَّعظ إلا بعد التأديب، لا يُصلي إلا بعد المرض، ولا يصلي إلا، وهو فاقد الحُرِّيَة، أهكذا المؤمن؟ ألا يكفي هذا الكون العظيم كي يقودك إلى الله عزَّ وجل بعظمته؟ ألا تكفي هذه النِعَم التي سخَّرها الله لك كي يجذبك إلى الله عزَّ وجل؟ ألا تكفي هذه المودة من الله عزَّ وجل؟ هذا الخلق القويم؟
{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}
(سورة التين)
هذا الخلق الكامل، وهذه الصحة، والأجهزة، والسمع، والبصر، والبيان، والعقل، والقلب، والرئتان، والمعدة، والأمعاء، والعضلات، والزوجة، والأولاد، والبيت، والعمل، والرزق، فهذه النِعَم التي أسبغها الله عليك ظاهرةً وباطنة.
ولذلك كان الإنسان البطل هو الذي يأتي ربه طَوعًا، والإنسان الآخر يأتيه بعد قَهْرٍ، أو بعد معالجةٍ، والثاني جيد، ولكن ما أشرف من يعرف ربه في الرخاء، وما أعظمه، وأنبله، وأكثر وفاءهُ، وشكره.
{وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ}