قبل أن نصل لهذه الآية، فللإمام الغزالي رضي الله عنه قول دقيق جدًا على كلمة نذير، ومن المناسب أن نتلوه عليكم في معرض هذه الآية، الإمام الغزالي يقول:"لو أن طبيبًا حذَّر مريضه من بعض الأكلات التي يحبها، وبين له الخطر الذي ينتظره إذا تناولها .. وأغلب الظن أننا نحن جميعًا نُحِب أكلةً ما، قابلت الطبيب قال لك: هذه الأكلة تسبب لك التهابًا في المعدة، ابتعد عنها، أغلب الظن أن جميع العقلاء ينصاعون لهذا التحذير من الطبيب، الآن سنجري موازنةً بين تحذير الله عزَّ وجل وبين تحذير الطبيب، في القرآن أوامر ونواهٍ، ووعدٌ ووعيد، فكيف نفسِّر موقف الإنسان الذي يخالف أوامر الله عزَّ وجل ونواهيه، ولا يعبأ بوعده ولا وعيده؟ أيكون الطبيب أصدق عنده من الله؟ فهل من المعقول أنَّ طبيبًا من بني البشر يقول لك هذه الأكلة التي تحبها تؤذي قلبك أو تؤذي معدتك وتصدقه، والله سبحانه وتعالى في هذا الكتاب القطعي الثبوت، الذي هو كلام الله قولًا واحدًا يقول لك: لا تفعل هذا ثم تفعل وتخالف."
{وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ (188) }
(سورة البقرة)
الطبيب يحذِّر فتنصاع لتحذيره، والرَّب يحذر فلا تنصاع!! أيكون الطبيب أصدق عندك من الله، هكذا خاطب الغزالي نفسه:"يا نفس أيكون الطبيب أصدق عندكِ من الله، إذًا فما أكفركِ"يخاطب نفسه، أما إذا كان وعْد الطبيب أشد إيقاعًا في نفسك من وعْد الله، أو إذا كان وعيد الطبيب أشد إخافةً لك من وعيد الله فما أجهلكِ أيتها النفس، لما يعصي الإنسانُ اللهَ عزَّ وجل فإما أن يكون كافرًا فما أكفره أو جاهلًا ما أجهله، وليس هناك حلٌ ثالث، إما كافرًا فما أكفره أو جاهلًا فما أجهله.