الكسب شيء، والاكتِساب شيءٌ آخر، الكَسْب أن تأخذ شيئًا عن بحث أو عن غير بحثٍ، وبعد تخطيط أو من دون تخطيط، وبِصُعوبة أو من غير صُعوبة، كَسَبْتُ دِرْهَمًا، أما اكْتسَبَ أيْ جَعَلْتَ الكسْب مِهْنةً لك، أي هناك جُهود جبَّارة بُذِلَت حتى اكْتسَبْتَ هذا المال لأنَّ الزِّيادة في المَبنى دليل الزِّيادة في المعنى، لذلك أيُّ عمَلٍ صالحٍ يُسَجَّل لك:
{لَهَا مَا كَسَبَتْ}
ولكنَّ العمل السيّئ لا يُكْتبُ عليك إلا إذا أصْررْت عليه، ولم تتُبْ منه، وبالغْت فيه، وأعدْتَهُ مرَّاتٍ كثيرة، ومن هنا هذه رحمة الله في خَلْقِهِ، قال تعالى:
{لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}
(سورة البقرة)
من خصائص اللغة العربية: أسلوب الحصر والقصر:
هناك في اللُّغَة أشياء دقيقة جدًّا، لمَّا قال ربّنا سبحانه وتعالى:
{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا}
(سورة هود)
مِن أجل أن تعْلَمَ أنَّ هذه اللُغة دقيقة، وأنّ هذا الكلام كلام ربّ العالمين، هل هناك احْتِمالات أخرى لِصِياغَة هذا المعنى؟
الاحْتِمال الأوَّل:
أن قال:"وما الدَّواب إلا على الله رزقها!"هذا احتِمال، طيِّب لو قلْتُ هذا فماذا يفترق هذا القَول عن قول الله عز وجل: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ} ؟