ربنا عزَّ وجل في هذه السورة بيَّن لنا بعض المواطن التي يُفْتَنْ فيها الإنسان، أول مَوْطِنٍ يُفْتَن من قِبَل أبويه، فكما أن الله سبحانه وتعالى خلق هذه العاطفة الأصيلة بين الآباء والأبناء من أجل أن ينمو الأبناء، وأن ينشئوا في حجر آبائهم، هذه العلاقة الأبويَّة قد توظَّفُ في غير مصلحة الإيمان ..
{وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا}
هذه فتنة، والله سبحانه وتعالى يُعْبَد، والأبُ والأم يُحْسَنُ إليهما، وفرقٌ كبير بين العبادة وبين الإحسان، لأنه لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق.
الفتنة الثانية: فتنة الوالدين: دعوى الإيمان بالله:
الفتنة الثانية، يقول الله عزَّ وجل:
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ}
لو أن الله عزَّ وجل قال:"ومن الناس من يؤمن بالله"اختلف المعنى اختلافًا كليًا، الله عزَّ وجل قال:
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ}
ومعنى يقول أيْ يَدَّعي، يدَّعي أنه مؤمن، وأنا متأكِّد أنه ما من إنسانٍ في العالم الإسلامي يصلي الصلوات الخمس إلا ويدَّعي أنه مؤمن، والقضيَّة ليست بالدَعوى، لو أن القضيَّة بالدعوى فالأمر سهلٌ جدًا، فالله قال:
{وَمِنَ النَّاسِ}
هذه (مِن) تفيد التبعيض، أيْ أنَّ بعض الناس يقول: أنا مؤمن، يقول: أنا مؤمن، تَبَجُّحًا، يقول: أنا مؤمن، تأكيدًا لإيمانه، يقول: أنا مؤمن، افتخارًا، يقول: أنا مؤمن، هكذا ليتعالى على أقرانه ..
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ}
الله عزَّ وجل لا يمكن أن ينخدع، ولا يمكن أن يَخْدَع.
{يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} .
(سورة النساء: من آية"142")