لماذا هؤلاء لا يعبدون الله عزَّ وجل؟ لماذا لا يتَّقوه؟ لماذا يعصونه؟ لأنهم ما آمنوا بهذه الساعة ساعة اللقاء، ما آمنوا باليوم الآخر، فربنا عزَّ وجل في أكثر آيات الإيمان يذكر الإيمان باليوم الآخر مُقْتَرِنًَا بالإيمان بالله، لأنك لن تستقيم على أمر الله إلا إذا أيقنت بوجود الله، وأيقنت بعلمه، و أيقنت باليوم الآخر، وأيقنت بالحساب، لو ألغينا اليوم الآخر فلا أحد يستقيم إلا إذا آمن باليوم الآخر، الله موجود، لكن لن يستقيم أحد، الله عزَّ وجل أودع في هذه النفوس الشهوات، وأعطاها قوى في الظاهر، هذه القوى مع هذه الشهوات تندفع نحو مصالحها، ما الذي يُلجمها؟ الخوف من الله، خوف الحساب، سيدنا النبي اللهم صلِّ عليه أرسل خادمًا في حاجة، تأخر كثيرًا، كان بيده سواك، فقال عليه الصلاة والسلام:
(( والله لولا خشية القِصاص لأوجعتك بهذا السواك ) ).
[ورد في الأثر]
ما الذي يلجم المؤمن؟ الإيمان قيد الفتك، هذه المعرفة بالله عزَّ وجل، اليقين بوقوفٍ بين يدي الله عزَّ وجل، لو أن الناس خافوا من الله عزَّ وجل انتهت كل مشاكلهم، هذا الذي يعتدي، هذا الذي يأخذ ما ليس له، لماذا؟ لضعفٍ بإيمانه، لو أيقن يقينًا قطعيًا أنه سيدفع الثمن باهظًا، وأنه لن يتفلَّت من عقاب الله عزَّ وجل لارتدع ولاستقام.
يروون أن أحدًا كان يطوف حول الكعبة ويقول:"رب اغفر لي ذنبي، ولا أظنك تفعل"، وكان وراءه رجل، قال له:"يا هذا، ما أشد يأسك من رحمة الله"، قال له:"ذنبي عظيم"، قال له: ما ذنبك؟ فذكر له أنه دخل إلى بيت فرأى فيه رجلًا فقتله، وامرأةً فسألها أن تعطيه كل ما تملك، أعطته دنانير ذهبية، فقتل ولدها الأول، فلما رأته جادًا في قتل الثاني أعطته درعًا مُذْهَبَةً، أعجبته، فالدرع من الذهب، فإذا عليها بيتان من الشعر، قرأهما فأُغمي عليه:
إذا جار الأمير وحاجباه وقاضي ... الأرض أسرف في القضاء
فويلٌ ثم ويلٌ ثم ويلٌ لقاضي ... الأرض من قاضي السماء