فهرس الكتاب
أحيانًا يتكلم الإنسان كلمة يبقى أسبوعًا أو أسبوعين متألمًا أشد الألم من هذه الكلمة، لأنه لم يكن بها حكيمًا، أحيانًا يقف موقفًا، أحيانًا يتكلم كلمةً، أحيانًا يقبل إقبالًا، أحيانًا يمتنع، أحيانًا يصل، يقطع، يغضب، يرضى، ينطلق، ينكَمِش، الموقف الذي لا حكمة فيه يؤلم صاحبه أشد الألم، لذلك لا ترتاح النفس إلا إذا كانت حكيمة، أصحاب الحساسية البالغة، أصحاب الفِطْرَةَ السليمة، أصحاب الحِس المُرْهَف، لو أنهم تكلموا بكلمة ليست حكيمةً يتمزَّقون، تتفطر قلوبهم ندمًا على هذه الكلمة ..
(( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لا يَرَى بِهَا بَاسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ ) ).
[من سنن الترمذي عن أبي هريرة]
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا، تَعْنِي قَصِيرَةً، فَقَالَ: لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ ) ).
[أبو داود]
وقد سمعت أن بعض المياه المالحة التي تفرزها بعض المدن، تبقى في البحر تسير ما يزيد على خمسةٍ وثمانين كيلو مترا، لشدة كثافتها، ومع ذلك البحر طاهر، أما أن تقول امرأةٌ عن امرأةٍ: إنها قصيرة، أو إنها دميمة، هذا الذي يُقَلِّد الآخرين، هذا الذي يهزأ لشكلهم (ولا دخل للإنسان في شكله) ، أنت حاسب الإنسان على أعماله، على أخلاقه، لك أن تحاسبه على أعماله، لك أن تحاسبه على أخلاقه، أما مجرد التهكُّم على خلق الإنسان هو في الحقيقة تهكمٌ على خلق الله عزَّ وجل، فالإنسان ليس له دخل في خلقه؛ كون هذا طويل، وهذا قصير، وهذا وسيم، وهذا دميم، هذا لونه كذا، وهذا لونه كذا، هذا عنده غُنَّة، وهذا عنده بَحَّة، هذا عنده حبسة في كلامه، هذا ليس إليه هذا إلى الله عزَّ وجل، فلذاك قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: