فهرس الكتاب
إذا اشتد الخوف عمَّ اليأس، وإذا اشتد الرجاء عمَّ التساهل، فربنا حكيم، وهو المربّي، فإذا رآك ازداد أملك ورجاؤك، وفترت عبادتك، وقلَّت طاعتك يُخيفك، فإذا اشتد خوفك، وانتقلت من خوفٍ إلى يأسٍ يُطَمْئنك، فالمؤمن العاقل يراوح بين الخوف والرجاء، ليس مع الخوف القاتل، ولا مع الرجاء الساذج ..
{يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا}
رغبًا ورهبًا، الخوف إذا اشتد كالملح في الطعام إذا زاد عن حدِّه انقلب إلى ضده، والرجاء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده، الرجاء ينقلك إلى التساهُل، إلى الفتور، إلى ضعف الهمة، إلى أداء صلواتٍ شكلية، إلى الالتفات إلى الدنيا، والخوف يُقَنِّطُك من الله عزّ وجل، يجب أن تكون بين الخوف والرجاء، فإذا شعرت أنك واثقٌ إلى درجة أنَّك تساهلت في عباداتك فَخَفْهُ، فإن الله سبحانه وتعالى قد يسوق لك ما يجعلك في خوفٍ شديد ..
{تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}
كما قلت في درسٍ سابق: إستراتيجية المؤمن هي صفةٌ أساسيةٌ، أو سمةٌ أساسية في طبيعته: العطاء؛ يعطي من علمه، يعطي من خبرته، يعطي من ماله، يعطي من جاهه، يعطي من قوَّته، يعطي من ذكائه، يعطي من كلِّ ما يملك، أساس حياته العطاء، إذا أردت أن تعرف ما إذا كنت من أهل الدنيا، أو من أهل الآخرة فاعلم ما الذي يفرحك؟ إذا كان يفرحك العطاء فأنت من أهل الآخرة، فإذا كان يفرحك الأخذ فأنت من أهل الدنيا، قال تعالى عن هؤلاء:
{وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ • فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}