فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ
1 ـ فَأَعْرَضُوا
أعرضوا عن الله، جعلوا كتاب الله وراء ظهورهم، لم يعبؤوا بأمر الله، لم يعبؤوا بوعده، قال:
{فَأَعْرَضُوا}
أعرضوا عن ذكر الله، أعرضوا عن الحق، أعرضوا عن أوامر الله و نواهيه، ما بالوا بها، المؤمن إذا وقع في مخالفةٍ يرى أن جبلًا جاثمًا على صدره؛ لكن الفاسق والمنافق إذا وقع في مخالفةٍ كأنها ذبابةٌ أبعدها عن وجهه ... .
ويا أيها الإخوة الأكارم ... إن كل المشكلات التي نعاني منها هي في حقيقتها أعراضٌ لمرض واحد، هي أعراض الإعراض، الإنسان مقبل أو مدبر، متصل، معرض، محسن مسيء، مؤمن كافر، اختر لنفسك أحدهما، فهؤلاء أعرضوا؛ تركوا دينهم، وتركوا طاعة ربهم، وتركوا أوامر نبيهم، وتركوا شكر مولاهم، وانغمسوا في حمأة الدنيا، وانغمسوا في حظوظهم الخسيسة، وشهواتهم المنحطة، ومالوا إلى الدنيا، ولم يذكروا ربهم عزَّ وجل فأعرضوا.
2 ـ كل بلدة أعرضت يكون مصيرها مصير سبأ:
فلذلك أية بلدةٍ حتى في هذا العصر، إذا كانت في بحبوحة؛ دخل كبير، تجارة حرة، أموال طائلة، بيوت فخمة، مركبات فارهة، مُتَنَزَّهات جميلة جدًا، طعام طيِّب، طمأنينة، راحة، هذه البلدة إذا أعرضت عن الله عزَّ وجل، وانغمست في الشهوات والمعاصي، قد يأتيها البلاء من حيث لا تدري، قد يأتيها البلاء دُفعةً واحدة، فجأة، قال:
{فَأَعْرَضُوا}
والله عزَّ وجل كل قومٍ يأتيهم ببلاءٍ من نوعٍ خاص، تارةً يقول لك: زلزال، تارةً، فيضان، تارةً غزو مفاجئ، وهذه كلها علاجات إلهية، أما قوم سبأ كان علاجهم عند الله عزَّ وجل سَدٌ عظيم، هذا السد جدارٌ عظيم بين جبلين يحجز الماء، ويستخدمون هذا الماء طوال العام، هذا السد أصابه عطبٌ، فغمرهم وغمر بيوتهم ومساكنهم، وجرف مزروعاتهم وجعلهم مِزَقًَا لا يلوون على شيءٍ.