أوضح مثل لهذا الموضوع: في مدينة دمشق مدرسة، هي التجهيز الأولى قديمًا، هذه المدرسة كانت الثانويَّة الأولى في القطر، في عام (1937 ـ 1938) كانت الثانويَّة الوحيدة في القطر، وكان فيها نظام المبيت الليلي، فكان فيها مطابخ، وفيها مهاجع، وفيها قاعات للمطالعة، فهذا الطالب مكلَّف بالدوام، مكلَّف بحضور الدروس، مكلَّف بالمطالعة والمذاكرة والدراسة، وهناك عاملون في المطبخ، وفي إعداد الطعام، وفي تهيئة الطعام، وفي طبخ الطعام، وهناك من يجلب الأرزاق، وهناك من يهيِّئ الأطباق، ولكن الطالب مضمون له الطعام في الوقت المحدَّد، يُقْرَع الجرس، فيتوجَّه إلى المطعم، فإذا كل شيءٍ على الطاولة؛ الطعام، والشراب، والفاكهة، والحلويات، مطلوبٌ منه أن يدرس، ولا شيء غير الدراسة، وقد تكفَّلت له المدرسة بثلاث وجباتٍ أساسية متوازنة وكاملة، ما قولك بطالبٍ ترك قاعة المطالعة، وترك مذاكرة الدروس، وترك حضور المحاضرات، وتوجَّه إلى المطبخ يسألهم: هل أتيتم بالبصل؟ ماذا فعلتم بالأكلة الفلانيَّة؟ هل تمَّ نضجها؟ هذا ليس شغلك، كُلِّفت بالدراسة، وتكفلنا لك بالطعام، فلماذا تركت الدراسة، وحشرت أنفك في الطعام؟
هذه قضيَّةٌ مهمَّةٌ جدًا، الإنسان الضال المضل الغافل التائه يشغل نفسه بما تكفَّل الله له به، ويُعْرِضُ عما كُلِّف به.
{وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى (39) }
(سورة النجم)
ليس لك إلا ما سعيت، الآية دقيقة جدًا ففيها قصر، لو أن الله عزَّ وجل قال: للإنسان ما سعى، وله ما لم يسعَ لتغير المعنى كليَّةً.
{وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى (39) }