فهرس الكتاب

الصفحة 16815 من 22028

فأولًا المشرِّع لا ينبغي له أن يكون إنسانًا، فلو أن المشرِّع هو الإنسان فالإنسان يجهل، وإذا علم يجهل جانبًا ويعلم جانبًا، فأحيانًا نشرِّع من زاوية واحدة، ونجد أخطاء كثيرة جدًا، ومضاعفات خطيرة جدًا ظهرت معنا دون أن نحسب لها حسابًا، وبما أنه لو علم يجهل، ولو علم جانبًا جهل جوانب، ولو نظر في هذا التشريع من هذه الزاوية تغيب عنه بقيَّة الزوايا، وهو إما أنه يجهل جهلًا مطبقًا، أو أنه يجهل جهلًا جُزْئِيًَّا، فما دام هناك جهل فالجاهل لا يشرِّع.

هذه النفس البشريَّة لا يعلم حقيقتها، وقوانينها، وخصائصها، و بُنيتها، وفطرتها إلا الذي خلقها، فحينما نفكِّر، أو حينما نكتشف، إلى أن نشرِّع لأنفسنا فقد وقعنا في مطبٍ كبير، وفي جهالةٍ جَهْلاء، وفي هلاكٍ في الدنيا وشقاءٍ في الآخرة، لمجرَّد أن تفكِّر أن إنسانًا ما كائنًا من كان بإمكانه أن يشرِّع، فالمشرِّع هو الله لأنه هو الخالق، والبارئ، و المصوِّر، والعليم، والحكيم، والخبير، والذي يعلم السرَّ وأخفى.

1 ـ لأن الإنسان إما على جهلٍ مطبق أو على جهلٍ جزئي:

إذًا أول نقطة: أن مخلوقًا ما كائنًا من كان، مهما علا قدره، و كثر علمه، واتسعت ثقافته، وسمت نفسه، لا يستطيع أن يشرِّع لأنه إما على جهلٍ مطبق، أو على جهلٍ جزئي، ومادام في كيان هذا المشرِّع جهلٌ ما ولو كان جزئيًا، فإن هذا الإنسان ليس بمقدوره أن يشرِّع، والدليل أن أي قانونٍ وضعيٍ من صنع البشر لا تزال ترى له تعديلاتٍ وتعديلاٍت حتى تغدو التعديلات أكثر من مَتْنِ القانون، ثم يلغى كليًا ويوضع قانونٌ جديدٌ آخر.

وإن دلَّ على شيء فإنما يدل على أن الإنسان ليس مؤهَّلًا أن يشرِّع، وهذه حقيقةٌ أساسيَّةٌ في الدين، أي إنسان (أنا لا أتهم إنسانًا معيَّنًا ولو حسنت نيَّته) فالإنسان يجهل، أو يعلم جانبًا ويجهل جانبًا آخر، ومادام في جهل من جانب فلا يمكن أن يكون الإنسان مشرِّعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت