فهرس الكتاب
لما وكزهُ موسى عليه السلام، أقول مرَّةً ثانية وأكرر: فهذه الآية يُقاس عليها أشياء كثيرة كلّما وجدْت إنسانًا دُمِّر بِسَبب كسب مال حرام، أو عُدوان على أعراض الناس، أو جهله بالله عز وجل، فكلَّما رأيْت مصيبة كبيرة فادحة، فقل: هذا من عمل الشيطان، إنه عدو مضل مبين، فالإنسان إما أن يكون رحمانيًًّا، وإما أن يكون شَيْطانِيًًّا، ملائكِيًًّا أو شَهْوانِيًًّا، مستقيمًا أو منحرفًا، محسِنًا أو مسيئًا عدْلًا أو ظالمًا.
قال تعالى:
فَاصْبِرْ (35)
يا محمد، إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام، وهو على علوّ مقامه، ورِفْعة مكانته وعِصْمته، و الله جلّ جلاله يقول له: اصْبِر! وأنت يا أيها المؤمن اصْبِر، إنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، هذه الحياة دار ابْتِلاء لا دار اسْتِواء، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لِرَخاء، ولم يحزَن لِشَقاء، قد جعلها الله دار بلْوى، وجعل الآخرة دار عُقبى، فجعل بلاء الدنيا لِعَطاء الآخرة سببًا وجعل عطاء الآخرة من بلْوى الدنيا عِوَضًا، فيأخذ لِيُعطي، ويبتلي لِيَجزي، فاصْبِر، الزَّوجة ليْسَت على ما يُرام اصْبِر، الله تعالى أمرك أن تصْبر، ودعوْت إلى الله فلم تُفْلح فاصْبِر، دَعَوْت إلى الله تعالى فاستهزئ بكَ اصْبِر، أحْسَنْتَ إلى إنسانٍ فأساء إليك اصبر، أولادك ليسوا على ما يُرام؛ اصْبِرْ، دخْلُكَ لا يكفي اصبِر، ليس عندك بيت اصبِر، تخاف أن تُقيم شرع الله اصبِر.
هؤلاء أنبياء وخافوا، قال تعالى:
فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18)
(سورة القصص)
الخوف لا يُنقص من قدْر الإنسان، قد تخاف وأنت مستقيم، اصبِر، وقال تعالى:
إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (10)
(سورة الزمر)