طبعًا لو كانت نقطتان وأنت واقف بينهما، كلَّما اقتربت من إحدى النقطتين ابتعدت حكمًا عن الثانية، لذلك من أحبَّ دنياه أضرَّ بآخرته، ومن أحبَّ آخرته أضرَّ بدنياه، فالله عزَّ وجل يبيِّن للنبي عليه الصلاة والسلام وهو السيد الكريم، وهو الرحيم الحريص على هداية أمَّته، قال: هؤلاء الذين أداروا ظهورهم لذكرنا، لآياتنا، لوعدنا، لوعيدنا، لأمرنا، لنهينا، لآياتنا الكونية، والتكوينية، والقرآنية، هؤلاء الذين لم يعبئوا، ولم يهتمُّوا، ولم يخافوا، ولم يصغوا، ولم يلقوا السمع ما أرادوا إلا الدنيا، إلا المال، إلا اللذَّة، إلا الشهوة، إلا العلو، هذا النموذج الذي أعرض عن ذكر الله وأقبل على الدنيا، أعرض فأقبل، أقبل فأعرض، كما قلت قبل قليل: نقطتان وأنت بينهما، إذا اتجهت إلى إحدى النقطتين ابتعدت حكمًا عن الثانية، قال العلماء: هذا النموذج الذي يُقْبِلُ على الدنيا بكلّيتِه، بطاقاته، بإمكاناته، بتصوّراته، بخواطره، بنومه، بيقظته، بحضره، بسفره، هذا الذي يُقبِل على الدنيا وحدها لو أن الله عزَّ وجل قال: وأراد الحياة الدنيا هذا لا ينفي أن يريد شيئًا آخر، لكن:
{وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}
فرقٌ كبيرٌ بين المعنيين، أي أعرض عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا:
{تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}
الإعراض عن الإنسان الذي لا يعبأ بالوعد و الوعيد:
قال العلماء: إنَّ هذا النموذج لا خير فيه، فأنت في وادٍ يا محمد وهو في واد، أنت في طريق وهو في طريق، تصوُّراته لا تتفق مع إيمان المؤمن، أهدافه لا تنطلق من إيمان مؤمن بل تنطلق من شهوة منحرف، من شهوة معرض.
{فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}