فيُمكن لعقلك أن يوصِلَك إلى الله تعالى، عن طريق الكون الذي هو مظهر لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، فإذا عرفْت أنَّ لهذا الكون خالقًا عظيمًا فعليك أن تعلم أيضًا أن من لوازم الخالق أن لا يضَعَ عباده في غفْلة عنه، فلا بدّ من إنزال الكتب، ولا بدّ من إرسال الرسل، وإن أيّ رسول يرسه الله لِبني البشر يُعطى بيّنةً تؤكِّد أنَّه رسول، وهذا شيء ثابت، وهذه البينة إما أن تكون معجزة حِسيَّة؛ كأن يصبح البحر طريقا يبسًا، أو أن تصبح العصا ثعبانًا مبينًا، أو أن يحيي البشر الموتى كما فعل سيّدنا عيسى، أو أن تخرج الناقة كما في معجزة سيدنا صالح، فهذه الأشياء لا يستطيعها البشر، بل هي من فعل خالق البشر، والله سبحانه وتعالى يُجري على هذا الإنسان المعجزات التي تدل أنَّه رسول الله، فمن خلال المعجزة تؤمن أنَّه رسول، و نبيُّنا عليه الصلاة والسلام معجزته القرآن الكريم، و إعجاز هذا الكتاب هو أحد أكبر الدلائل التي تثبت أنَّه من عند الله تعالى، ومن مظاهر هذا الإعجاز، إعجازه البياني، وإعجازُهُ التشريعي، وإعجازه التربوي، وإعجازهُ الإخباري.
"وما ينطق عن الهوى":
والآن دخلنا في النقطة الثانية في الدرس وهي أنَّ حديث رسول الله تَشريع، فإذا نطق، أو فعَل، أو أقرّ كان كل نطقه وفعله وإقراره تشريعًا، والنبي عليه الصلاة والسلام مشرِّع، فالنبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، وأقواله وأفعاله وإقراره وصِفاته لها حكم الأمر والنَّهي، ومن هنا جاء قوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ}