فهرس الكتاب
فإذا فهم الإنسان حكمة المصيبة قبِلها، أما إذا لم يفهم حكمتها فسحقته المصيبة، فهناك مصائب لكن بين أن تفهمها علاجًا، وبين أن تفهمها انتقامًا، بين أن تفهمها يدًا عادلة حكيمة، وبين أن تفهم المصائب خبط عشواء تصيب أو لا تصيب، بين أن تفهم عن الله عدالته، وبين أن تتوهم أن هناك حظوظًا بلا مبررات، فربنا عز وجل يطمئننا فيقول:
{مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ}
ذكرت هذا كثيرًا جدًا، كلمة: {مِنْ مُصِيبَةٍ} ، هذه (من) تفيد في اللغة العربية استغراق أفراد النوع مهما دقت، فإذا قال لك شخص: هل عندك رغبة أن نعمل عملًا تجاريًا معًا؟ تقول له: ما المشروع؟ يقول لك: نفتح مثلًا معهدًا تعليميًًّا، أو تجارة، أو استيرادًا، تقول: كم يكلف هذا المشروع؟ يقول لك: خمسة ملايين، أنت معك مليون واحد، يريد النصف، تقول: ما عندي مال لهذا المشروع، هذه الكلمة تعني أنه ليس معك ثلاثة ملايين، نصف التكلفة، لكن معك مليونًا، كلمة ما عندي مال لا تعني أنك لا تملك مليونًا، لكن تعني أنك لا تملك المال الكافي لهذا المشروع، الآن دقق، لو قلت لهذا الذي عرض عليك المشروع: ما عندي من مال، أي ليس معك ولا ليرة واحدة، لأن من تفيد استغراق أفراد النوع.
أيّ مصيبة مهما كانت في جميع شؤون الحياة لا تكون إلا بإذن الله:
الآن طبق هذه القاعدة - (من) لاستغراق أفراد النوع - في هذه الآية:
{مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ}
مسمار في باب لم تنتبه إليه، فخدش جلدك خدشًا بسيطًا، هذه مصيبة، إنسان سمع بوق سيارة فجأة، ارتعب ثانية، وانتهى الأمر، ما من عثرة، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يعفو الله أكثر، {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ} ، أيّ مصيبة مهما كانت، في جميع شؤون الحياة:
{مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ}