لقد آذاه أهل مكة و أخرجوه منها، وائتمروا على قتله، ونكَّلوا بأصحابه وعذبوهم، وهجوه بأشعارهم، وناصبوه العداء عشرين عامًا، ولكنه لما فتح مكة وجد عشرة آلاف سيفٍ تنتظر كلمةً منه، و كان بإمكانه أن يلغي وجود كفار قريش جميعًا، لكنه قال:"ما تظنون أني فاعلٌ بكم؟"، قالوا: أخٌ كريم وابن أخٍ كريم، قال:"اذهبوا فأنتم الطلقاء"، وحينما ذهب مكة فاتحًا كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعًا لله عزَّ وجل.
لقد ذهب إلى الطائف مشيًا على قدميه مع سيدنا زيد وعلق على هدايتهم الآمال فإذا هم يردون دعوته ويسفهونها، ويكذبونه، ويسخرون منه، بل أغروا سفهاءهم بضربه، وسال الدم من قدمه الشريفة، وألجؤوه إلى حائط إلى بستان، وجاءه جبريل وقال: يا محمد، أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك، فلو شئت لأطبقت عليهم الجبلين .. فقد مكَّنه الله من أن ينتقم منهم، وأن يلغي وجودهم .. لكنه قال:"لا يا أخي، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده".
{وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}
صبره على أزواجه:
جاء السيدةَ عائشة مرة طبقُ طعامٍ من السيدة صفية، فأصابتها الغيرة فأمسكت الطبق ورمته أرضًا من شدة غيرتها، فماذا بإمكان النبي أن يفعل؟ لقد كان بإمكانه أن يفعل كل شيء، لكنه قال:"غضبت أمكم، غضبت أمكم"، و كان إذا دخل بيته بَسَّامًا ضَحَّاكًا، وكان يقول:"أكرموا النساء فوالله ما أكرمهن إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم، يغلبن كل كريم ويغلبهن لئيم، وأنا أحب أن أكون كريمًا مغلوبًا من أن أكون لئيمًا غالبًا".
{وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}
قال مرةً:"أوذيت في الله وما أوذي أحدٌ مثلي، وخفت وما خاف أحدٌ مثلي، ومضى علي ثلاثون يومًا لم يدخل جوفي إلا ما يواريه إبط بلال".
{وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}
دخل بيته مرةً فقال:"هل عندكم من طعام؟"قالوا: لا، قال:"فإني صائم".
جوده عليه السلام: