وهذا الحَيوانُ المَنَوي دخل في بُوَيْضَة ولَقَّحَها وانْقَسَمَت إلى آلاف الأقْسام في أيام، فَمَن هدى بعض هذه الخلايا المُنْقَسِمَة لِتَكون عمودًا فَقَرِيًا؟ ومن هدى قِسْمًا آخر من الخلايا لِيَكون قلْبًا؟ ومن هدى قِسْمًا ثالثًا من الخلايا لِيَكون عضَلاتٍ؟ وقِسْمًا رابِعًا لِيَكون عِظامًا؟ وهذا سائِل شفاف في العَيْن؟ وتلك خلاياَ عَصَبِيَّة وجِلْدِيَّة وشَعْر ومَعي وأمْعاء؟ شيءٌ واحدٌ ينتَظِمُ الخلائق كُلَّها قوله تعالى:
{سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى*الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى*وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى}
قال بعض المُفَسِّرين: المَرْعى يُطْلق على كُلِّ نباتٍ تُنْبِتُهُ الأرض، فهو سبحانه وتعالى أنْعم علينا بِنِعْمة الخلق والإيجاد، وأنْعَم علينا نِعْمَةً أُخْرى هي نِعْمَةُ الإمْداد، فما قيمة الإيجاد لولا الإمْداد؟ قال تعالى:
{وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى}
المرْعى إذًا مُطْلق النبات، ثمَّ قال تعالى:
{فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى}
معْنى غُثاءً أيْ جَعَلَهُ يابِسًا، ومعْنى أحْوى أيْ مُسْوَدًا، فالنبات ينتقِلُ من الخُضْرَةِ إلى الاصْفِرار ثم إلى الاسْوِداد، فَأَوْراق الأشْجار مثَلًا بعد فصْل الخريف تُصْبِحُ سوْداء اللَّوْن، قال تعالى:
{وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى *فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى}
شيءٌ آخر يُسْتَنْبط من تسَلْسُل هذه الكلمات، وهي أنَّ الحياة إلى فناء، مِن خُضْرَةٍ نضِرَة إلى اصْفِرارٍ وذُبول، وإلى موتٍ واسْوِداد، وهكذا حياة الإنسان؛ من شباب وانْدِفاع وأحْلام إلى كُهولةٍ وشَيْخوخة ومَوْت، وكُلُّ ما في الأرض يُنْبِئنا إلى زوال العالم، غُروب الشَّمْس، ومجيءُ الخريف، وسُقوط أوْراق الأشْجار، قال تعالى:
{وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى* وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى *فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى}