تُؤثِرون الدنيا العاجلة على الآخرة الباقِيَة، تُؤثِرونَ عَرَضًا سخيفًا قليلًا تافِهًا ومُؤَقَّتًا على جنَّةٍ عَرْضُها السماوات والأرض، فالله عز وجل عَرَّفَ الفلاح وطريقهُ وبيَّنَ عَقَباتِهِ، عَرَّفَ الفلاح وهو التَزَكي؛ تطْهيرُ النفْس من الأدْران وتَحْلِيَتُها بالكمال تهْيئًا لها لِتَكون في جِوار الله عز وجل إلى أبد الآبدين، وطريق هذه التزْكية أن تعرف الله وأن تتصِلَ به، والعَقَبَةُ هو الدنيا، الدنيا هي رأس كلِّ خطيئة، وحُبُّكَ الشيء يُعْمي ويُصِمّ.
الآخرة خير وأبقى:
ثمَّ قال تعالى:
{وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}
ربنا عز وجل يُقَدِّم لكم هذه النصيحة! لو قُلْتَ لِشَخْصٍ هل تقْبل ألف ليرة بالشَّهْر أم خمسة آلاف دفعة واحدة ولا يوجد بعدها شيء؟! فهذا الخِيار يجْعله يرى للبعيد وتراهُ يُقَدِّم الدفعة الشهرية على الدفعة الواحدة المُنْتَهِيَّة!! والآخرة خيرٌ وأبقى، ليس فقط أبقى بل هي خير، كلام ربِّ العالمين، فإذا لم يُصَدِّق شخْصٌ هذا الكلام يكون أحْمقًا، والآخرة خير وأبقى إلى الأبد، مثلًا شخصٌ مُعْتنٍ ببيْتِهِ مُرَتِبٌ لِحالِهِ فلما ينتهي من ترْتيبه يأتيه الأجل، يُدْفن، يحزن عليه أهله ثم قليلًا فقليلًا ينسَوْن الميِّت! معنى ذلك أنَّه هناك فناء، إنَّ أكيَسَكم أكثركم للموت ذِكْرًا، الكَيِّسُ من دان نفسه وعمل لِما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني:
{بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا* وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}
ثمَّ قال تعالى:
{إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى}