فعلى تسوية النفس هنالك أشياء كثيرة، دعونا من الجسد ومن دقة العين ودقة الأذن ودقة الفكر والسمع والبصر والذوق والغدد الصماء والجملة العصبية والدماغ دعونا من هذا الجسد المعجز الذي هو أعقد آلة في الكون وتعالوا إلى النفس التي لا تزال ذلك المجهول، هناك كتاب أُلِّف عنوانه"الإنسان ذلك المجهول"ومحوره كله أن غلط العصر الأكبر أن الناس اتجهوا إلى الجسد على حساب النفس، رفاهية مادية وشقاء نفسي.
سألت أحد الأطباء: هل تستطيع أن تلخص لي الأمراض التي تصيب القلب بكلمات؟ قال: نعم راحة جسدية وتوتر نفسي. أما أجدادنا فتعب جسدي وراحة نفسية، وكل هذه الأدوات التي أحالت حواسنا إلى راحة واسترخاء ووفرت أعصابنا، وجعلت التدابر والتناقض والتباعد والحسد والحقد والخوف على زوال الدنيا ولهاث وراءها، وهذه كلها توترات عصبية أرهقت القلب والإنسان ذلك المجهول، الغلطة الكبرى التي ارتكبتها أوربا أنها اعتمدت رفاهية الجسد على حساب النفس.
وأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام على أن حياتهم كانت خشنة وطعامهم خشن حفنة من الطحين يأكلونها، وكأس حليب يشربونه، وجمل يركبونه غير مكيف ومع ذلك كانوا سعداء. وكان الواحد منهم كالكوكب الدري إن أتيح لإنسان أن يجلس معهم طار سعادة والآن ترى الرفاهية في قمتها والناس في حضيض الشقاء.
{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}
ومع ذلك مع وجود الأنبياء والكتب المقدسة والكون المعجز الذي هو تجسيد لأسماء الله تعالى وهذا الفكر العظيم وهذا الضياء وهذه القوة المميزة والفطرة السليمة وحب المحسن وحب الخير وهذه الشهوات التي أودعها الله فينا إذا انحرف الإنسان:
{فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}