استفت قلبك ولو أفتاك المفتون وأفتوك، أنا أذكر لكم أن أي إنسان عنده بفطرته السليمة حاسة سادسة تنبئه أن هذا العمل صحيح وهذا غير صحيح، ولذلك فإن كل المنحرفين معذبون نفسيًا لأن فطرتهم تحاسبهم، فوق هذا وذاك لقد أعطاك قوة إدراكية موجهة وهي الفكر، أعطاك قوة إدراكية وجعل لها سلطان المنطق وسلطان الفكر، وفوق هذا وذاك أعطاك كونًا هو تجسيدٌ لأسمائه الحسنى، كل أسمائه الكامنة في ذاته مجسدة في هذا الكون، ترى من خلال الكون رحمته وعلمه وقدرته وحكمته ولطفه وإبداعه وعدله، أبدًا، هل بقي شي لك عليه؟ شيء بقي عليه أنه أرسل لك أنبياء وأنزل معهم كتبًا من عندك، ما الذي بقي؟ فطرة سليمة وشهوات لمصلحة الرقي وقوة إدراك للتمييز بين الخير والشر وفكر مسيطر عنده قدرة على التوجيه وكون معجز وأنبياء دعاة وكتب:
{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}
وبعد كل هذا فبعد الفطرة وبعد الصبغة وبعد قوة التمييز وقوة الفكر والكون والضياء والأنبياء والقرآن وإذا انحرفت ألهمك أنك منحرف:
{فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}
إذا رشدت ألهمك أنك مصيب؛ يشرح الله صدرك، وإذا استقمت تحس براحة لا توصف، وتحس بأن جبلًا كان جاثمًا على صدرك فانزاح عن كاهلك، وإذا وقعت في خلل وانحراف في نية سيئة تحس بالضيق:
{وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ}
[سورة التوبة: 25]
كل شيء ذكرناه:
{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}
إن هذه النفس التي سواها قد تفوق كل هذه الآيات السابقة.
{وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا*وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا*وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا*وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا*وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا*وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا *وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}