ولله المثل الأعلى: حينما يأتي مدير عام ليتفقد أحوال إحدى الدوائر المسؤول عنها، ولا يجد الموظف في مكانه، ولا دوامه منتظم، لا يخاطبه مباشرة تقريعًا له، وهو إلى جانبه واقف، يقول: قل له: ألا يتأخر، وهو لِمَ لا يقول له: لا تتأخر؟ عمله لم يجعله أهلًا أن يخاطَب مباشرة، فحينما يقول الله عز وجل:
{قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ}
(سورة النور الآية 30)
وكأن المؤمن قبل أن تأتي هذه الآية واقع في حيرة، ولعله يطلق بصره، فجاءت هذه الآية:
{قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ}
(سورة النور الآية 30)
بالمناسبة الله جل جلاله لم يخاطب الكفار إطلاقًا في قرآنه الكريم، لأن الإنسان حينما لا يقبل الحق، وحينما يرد الحق، وحينما يركب شهواته، وتتحكم فيه نزواته، مثل هذا الإنسان لا يمكن أن يخاطبه الله عز وجل، إلا آية واحدة يوم القيامة قال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}
(سورة التحريم: الآية 7)
لكن الله جل جلاله فيما يزيد على ثلاثمائة آية خاطب المؤمنين:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}
(سورة التحريم الآية 6)
حينما تُخاطَبون من الله مباشرة فهذا شرف عظيم، وهذا رقي كبير، قال تعالى:
{يَا عِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ}
(سورة العنكبوت الآية 56)
حينما تقرأ قوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}
(سورة آل عمران الآية 100)
ينبغي أن تشعر أنه لكرامتك عند الله وجّه الله لك الخطاب مباشرة، هناك آيات مثل:
{قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا}
(سورة النور الآية 30)
أو قل لفلان، أما هنا فقال تعالى:
{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ}