المخلوقات أيها الأخوة، أدناها الجماد، وأوسطها النبات، وفوق وسطها الحيوان، وعلى رأسها الإنسان، هذه المخلوقات؛ الجماد، والحيوان، والنبات أشفقن منها، وأبين أن يحملنها، لأن هناك مسؤولية بعد حمل الأمانة، أرادت هذه المخلوقات أن تتقرب إلى الله من دون مسؤولية، فالنبات يسبح لله عز وجل من دون أن يكلف، ومن دون أن يحاسب، ومن دون أن يعذب، ومن دون أن يكافأ، والجماد كذلك، والحيوان كذلك، رُكِّب الملَك من عقل بلا شهوة، ورُكِّب الحيوان من شهوة بلا عقل، ورُكِّب الإنسان من كليهما، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان، هذا الإنسان من بين مخلوقات الله كلها قَبِل حمل الأمانة، ولأنه قَبِل حمل الأمانة سخرت له السماوات والأرض.
علاقة الأمانة بالله عز وجل أن الله جلّ جلاله سلمك نفسك التي بين جنبيك:
قال تعالى:
{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ}
[سورة الجاثية: 13]
لأنه قبل حمل الأمانة سخر له الكون بأكمله، إذًا هو المخلوق الأول فيه نفخة من روح الله، وفيه قبضة من تراب الأرض، هذه الأمانة نفسه التي بين جنبيه.
الآن دقق أيها الأخ الكريم، لو أعطاك إنسان مئة ألف ليرة، وأخذ منك إيصالًا رسميًا أصوليًا وفق القوانين النافذة، هل يعد هذا المبلغ أمانةً؟ لا، لأن الذي أعطاك هذا المبلغ بإمكانه أن يقاضيك، ولو أن إنسانًا أعطاك مئة ألف، وأشهد عليك شاهدين هل هذا المبلغ أمانة؟ الجواب لا، لأن الشاهدين يشهدان له عليك، ولكن إذا أعطاك مئة ألف من دون شاهدين، ومن دون إيصال فهذا المبلغ أمانة، أنت بإمكانك أن تؤديه، وبإمكانك ألاّ تؤديه.