فأن تحكم على إنسان بالجنة أو بالنار حكمًا قطعيًا، هذا سماه العلماء التألي على الله، من أنت حتى تقول فلان من أهل النار؟ لعله يتوب ويسبقك، ومن أنت حتى تقول فلان من أهل الجنة؟ لعله يخطئ، ومن أدراكِ أن الله أكرمه؟ قولي أرجو الله أن يكرمه، وأنا نبي مرسل لا أدري ما يفعل بي ولا بكم.
هذا هو الأدب مع الله، قل دائمًا إن أعجبك إنسان: أظنه صالحًا ولا أزكي على الله أحدًا، إن طلب منك أن تشهد بإنسان، هذا علمي به، فإن بدل وغير فلا علمي بالغيب، كن أديبًا مع الله.
إذًا النبي صلى الله عليه وسلم معصوم بمفرده، وأمته معصومة بمجموعها، وعصمة النبي معها هامش اجتهادي ضيق جدًا، فإن أصاب النبي أقره الوحي على ذلك، وإن لم يكن اجتهاده كما يريد الله عز وجل جاء الوحي وصحح له، ففي النهاية النبي معصوم بأقواله، وأفعاله، وإقراره.
النبي صلى الله عليه وسلم حالف خزاعة، ولها قبيلة مناوئة لها هي قبيلة بكر، بكر تحالفت مع قريش، لذلك قريش أعانت بكرًا على حرب خزاعة، وفي هذا نقض للعهد بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش ـ قريش وبكر، والنبي وخزاعة ـ قريش أعانت بكرًا على قتال خزاعة، والنبي حليف لها، وحليف الحليف حليف، فذلك كان هذا النقض سبب أن الله في عليائه برأ من العهود والمواثيق التي كانت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين.
لكن بعضهم تساءل: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} :
{فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ} .
فكيف يبلغ الله نبيه ببراءة نبيه من العهود مع المشركين ثم يخاطب المشركين؟ قال علماء التفسير: كأن الله أمر المؤمنين وأصحاب النبي أن يبلغوا المشركين، أي قولوا لهم.