الآن دقق: {وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ} ، رغب في الشيء، رغب: مال إلى الشيء ميلًا عميقًا، رغبتُ هذه الجامعة، رغبتُ هذه الحرفة، رغبتُ هذا المال، رغبَ: مال ميلًا شديدًا، لكن هذا الفعل من ألطف ما فيه أنه إذا جاء بعده رغب فيه، مال إلى الأخذ به، وإذا جاء بعده رغب عن، مال إلى تركه، لذلك الأفعال في اللغة أفعال لازمة، وأفعال متعدية، وأفعال قاصرة، ما الأفعال اللازمة؟ أن تقول: نام زيد، نام: فعل يحتاج إلى فاعل فقط، هذه فعل لازم، سعد فلان: فعل لازم، لكن إذا قلت: أكل الطفل التفاحة، هذا فعل متعدّ، لا بد لهذا الفعل من أن يصيب شيئًا وقع الفعل عليه، الذي قام بالفعل هو الفاعل، والذي وقع الفعل عليه هو المفعول به، فهذا الفعل الذي يحتاج إلى فاعل، وإلى مفعول معًا، هو الفعل المتعدي، فاعل ومفعول معًا.
ولكن هناك فعل قاصر، يأتي بعده حرف جر، مثلًا: رغبت في، رغبت في الشيء فالشيء في الأصل مفعول به، لكن لأن الفعل قاصر يأتي هذا الحرف ليجر أثر الفعل إلى المفعول، رغبت في الشيء، الشيء في الأساس مفعول به، لكن لأن الفعل قاصر لا يصل تأثيره إلى ما ينبغي أن يكون مفعولًا به إلا بحرف، رغبت في الشيء، ورغبت عن الشيء، ونظرت إلى، وبحثت عن، فكل فعل من لوازمه حرف، هذا الحرف يعطي بيانًا دقيقًا لمضمونه.
إذًا: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ} ، أي يؤثرون النبي، يؤثرون طاعته، يؤثرون تلبية أمره، يؤثرون أن يكونوا معه، {وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ} ، فلذلك إما أن ترغب في الشيء، أو أن ترغب عن الشيء، إن رغبت في الشيء أقبلت عليه، إن رغبت عنه ابتعدت عنه.
لذلك من خصائص المؤمنين ألا يتخلفوا عن رسول الله، وألا تكون لهم رغبة بعيدة عن رغبة رسول الله، فلذلك: