فهرس الكتاب

الصفحة 9841 من 22028

بعض المشككين في عهد أبي حنيفة النعمان رَضِي اللَّه عَنْه سألوه أسئلة ثلاثة، وكان فطنًا ذكيًا، قيل له: يا إمام، كيف يقدّر الله علينا المعصية، ويحاسبنا عليها؟ وكيف نعبده، ونحن لا نراه؟ وكيف يعذب الجن بالنار، وهم من النار؟ أسئلة ثلاثة، رأوها حجة قاطعة، هكذا تروي بعض الكتب، ولست في صدد التثبت من هذه القصة، لكن لهذه القصة مغزى، قالوا: فأخذ الإمام أبو حنيفة حجرًا، أو كدرة من طين يابس، ورمى بها أحدهم، فشج جبينه، هذا الرجل ذهب إلى القاضي، ورفع أمامه قضية، طبعًا قال أبو حنيفة للقاضي: يزعم أننا نعبد الله، ولا نراه، فالألم الذي تألمت منه، وحملك إلى أن تذهب إلى القاضي، هل رأيته؟ قال: لا، ثم إنك إن كنت تعلم أن الله قدر عليك ذلك، لماذا اشتكيت عليّ، ألست من طين؟ وهذه من طين، فكيف تألمت بها؟ أعطاه ثلاث حجج، إنك من طين، وهذه من طين، فكيف تألمت؟ والألم كيف حملك على أن تشتكي عليّ، وأنت لا ترى الألم؟ وإن كنت مقتنعًا أن الله قدر عليك ذلك لمَ شكوتني؟

بصرف النظر عن صحة هذه القصة فإنّ لها مغزى، الذي يحتج بالقدر هو العاصي، هو الذي يريد الدنيا، ويرفض الآخرة، يقول لك: لم يشأ الله لي أن أصلي، لم يهدني الله بعد، الاحتجاج بالقدر حجة باطلة داحضة، باتفاق كل ذي عقل ودين في العالمين، والمحتجّ بالقدر لا يقبل هذه الحجة من غيره، هذا الذي يقول لك: الله الذي قدر علي هذه المعصية، اضربه، يثور عليك، لماذا تثور علي؟ الله قدر عليك، هذا لا يرضى بهذه الحجة، الذي يحتج بالقدر لا يرضى بهذه الحجة، إذًا هو كاذب بحجته.

قال بعض العلماء: لو كان القدر حجة لم يحصل فرق بين العالم والجاهل، والعادل والظالم، والصادق والكاذب، والبر والفاجر، هذا قدر الله عليه أن يكون بارًا، وهذا قدر عليه أن يكون فاجرًا، لا البر لهذا ميزة، ولا الفجر لهذا سيئة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت