فلهذا لا تُسَمّ نفسك عارفًا بالله إلا إذا أوصلتك هذه المعرفة إلى طاعته، قبل أن توصلك إلى طاعته فهذه ليست معرفةً كافية، فمثلًا: لو أن حاجبًا يقف على باب قاعةٍ للتدريس، ودخل الأستاذ القدير أمام عين هذا الحاجب آلاف المرَّات، هذا الحاجب معرفته بهذا الأستاذ محدودة لا تزيد عن أنه أستاذ في هذا القسم، وهو أستاذٌ محبوب وقدير، لكن هذا الطالب الذي يجلس وراء المقعد ويستمع إلى محاضرته، كلَّما ألقى محاضرةً ارتفع مستوى معرفته بهذا الأستاذ، نعم كلَّما ألقى محاضرةً ارتفع مستوى المعرفة، فإيَّاك أن تكتفي بمعرفةٍ محدودةٍ عن الله عزَّ وجل، إياك أن تكتفي وتقول: أنا أعرف الله، الله خالق الكون وكفى، هذه معرفةٌ ساذَجَة، هذه معرفةٌ عرفها إبليس:
{قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) }
(سورة الحجر)
بماذا خاطبه؟ إبليس بماذا خاطب ربَّ العزَّة؟ بأنه رب، وخاطبه بأنه عزيز:
{ولأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) }
(سورة الحجر)
أهذه المعرفة كافية؟ لا والله ليست كافية، فما من إنسان إلا وهو راضٍ عن عقله وراضٍ عن معرفته لله عزَّ وجل، وقد يكون لا يعرف الله، وقد يكون واهمًا، يكفي أن تُرضي إنسانًا وتعصي الله فأنت لا تعرفه، يكفي أن تخاف من غضب إنسانٍ ولا تخاف من غضب الله عزَّ وجل فأنت لا تعرفه، يكفي أن ترجو غير الله فأنت لا تعرفه، يكفي أن تخشى غير الله فأنت لا تعرفه، يكفي أن تسعى لغير الله فأنت لا تعرفه، فهذه المعرفة بالله شيءٌ أساسي، فربنا سبحانه وتعالى يقول:
{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1) }
مَنْ هو الذي نزَّل الفرقان على عبده؟ مَنْ هو؟ يقول الله عن ذاته: تبارك الذي؟ قال:
{الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (2) }