هذه آية دقيقة جدًا، الله سبحانه وتعالى جَعَلَ الفقير فتنةً للغني، أيحتقره؟ أيحرِمُهُ؟ فُتِنَ الغني، وجعل الغني فتنةً للفقير، أيعظِّمَهُ من دون الله؟ أيتضعضع أمامه؟ أيأخذ منه ما ليس له؟ أيحسده؟ فالغني فتنةٌ للفقير، والفقير فتنةٌ للغني، وجعل القوي فتنةٌ للضعيف، أيستكين هذا الضعيف؟ أتنهار معنويَّاته؟ أيحسده؟ وجعل الضعيف فتنةٌ للقوي أيستطيل عليه؟ أيبغي عليه؟ أيحتقِرُهُ؟ وجعل الصحيح فتنةٌ للمريض، وجعل المريض فتنةٌ للصحيح، وجعل العاجز فتنةٌ للسليم، وجعل السليم فتنةٌ للعاجز، هذا معنى قوله تعالى:
{وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ (20) }
وعلى مستوى النساء جعل التي تفوَّقت في جمالها فتنةً للتي تَدَنَّىَ مستوى جمالها، فالمؤمنة إذا عرفت ربها واستقامت على أمره فهي عنده غاليةٌ جدًا، وربما أسعدها في الدنيا والآخرة، أتندب حظَّها؟ أتنسى نعمة ربِّها عليها؟ أتغمط نعمة الإيمان؟ نعمة الهدى؟ وقد جعل الله سبحانه وتعالى الأُخرى فتنةً للأولى، أتستعلي عليها؟ أتباهيها بجمالها؟ فهذه الحظوظ الموزعة على ذويها في الدنيا وزِّعت توزيع ابتلاء، وسوف توزَّع في الآخرة توزيع جزاء:
{وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (20) }