{أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ (44) }
ربنا عزَّ وجل قال: {مثل الذين} الآن المثل الصارخ في القرآن الكريم فلو جئت بدابَّة وحمَّلتها كتاب فيزياء، وكتاب كيمياء، وكتاب طب، وكتاب فلك، وكتاب هندسة، وكتاب في اللغة العربية، وكتاب في التفسير، ووضعت هذه الكتب على ظهرها وسرت بها عشر ساعات، ثم أوقفتها وسألتها: ما حجم الكرة الأرضيَّة؟ كم بين الشمس والأرض؟ الكُتب على ظهر الدابَّة، ولكن ربنا عزَّ وجل يقول:
{مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا (5) }
(سورة الجمعة)
فأنْ تحسب أنَّ أكثرهم يسمعون أو يعقلون خطأً منك:
{إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ (44) }
أي لا يسمعون ولا يعقلون، فالحيوان رَكَّب الله عزَّ وجل فيه غريزة حب البقاء، يبحث عن طعامه، وعن مأواه، ويخاف من عدوِّه، ويركن إلى مكانٍ مريح، أربع منعكسات عند الحيوان، لا يعقل ولا يفهم ولا يدرك:
{أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ (44) }
الآن المعنى واضح تمامًا.
كيف نفسِّر قوله تعالى:
{بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44) }
هل هناك أضلُ من البهيمة؟ نعم، البهيمة لم تُكلَّف، فإذا كانت لا تعي فلا مسؤوليَّة عليها، البهيمة لم تحمل الأمانة، فإذا خانت هذه الأمانة فهي في الأساس لم تحملها حتى تخونها، البهيمة رُكِّبت فيها غريزة بحيث لا تلقي بنفسها في المهالك، والإنسان أُعطي حريَّة الاختيار، فلو لم يحسن استخدام هذه الحريَّة لألقى بنفسه في المهالك، فالقضيَّة دقيقة جدًا، فإذا طغت شهوة الإنسان على عقله أصبح دون الحيوان، الحيوان ليس مكلَّفًا: