فهرس الكتاب

الصفحة 12362 من 22028

شيءٌ مُهِمّ في هذه اللّغة التي حبانا الله بها أنَّ هذه اللّغة فيها طاقة على التَّعبير واسِعَة، عبَّرَ عنها علماء فقه اللَّغة:"اتِّساع العربيّة في التَّعبير"، وقد ذكرتُ هذا المثل في درس سابق، حينما كنتُ أُفسِّر سورة يوسف. فالإنسان قد ينظر إلى الشيء، ومع هذا النَّظَر خَوْف، أنت في هذا لا تقول: نَظَرَ، ولكن تقول شَخَصَ، فشَخَصَ نظَرٌ مع الخوف، وقد تنظر إلى الشيء وأنت تحب هذا الشيء، فالنَّظَر مع المحبّة لا يُقال له نظَر، يُقال حدَّجَ، وقد قيل:"حدِّث القوم ما حدَّجوك بأبصارهم"، والنَّظر إلى الشيء مع الاستْمِتاع به، لا يُقال له نَظَر، ولكن يُقال له رنا، رنَوْتُ إلى الشيء، أي أدَمْتُ النَّظَر إليه مع الاستِمتاع به، فصار عندنا نظَرَ، وشخَّص، وحدَّج، ورنا، والنَظر إلى الشيء مع الدَهْشة يُقال له حَمْلقَ، أي نَظَرَ بحِمْلاق العَين، والنَّظَر إلى الشيء في ضَوءٍ خافت يُقال له: بَحْلقَ، اتَّسَعَتْ حدقة العَين، وإذا نَظَرْتَ إلى الشيء، ثمَّ اختفى هذا الشيء: لا تقول نظرْتُ إليه بل تقول: لاح هذا الشيء، لاحَ نَجْمٌ في الأفق، ولاحَتْ طائرة بين الغيوم، وإذا نظرْتَ إلى الشيء، وتذكَّرْت أنَّ الله سبحانه وتعالى أمركَ أن تغضَّ عنه البصر، لا تقول: لاحَ لي، ولكن تقول: لَمَحْتُ، لَمَحَ إذا نظرْتَ، ثمّ أعْرضْتَ، ولاحَ إذا ظَهَرَ الشيء ثمّ اختفى، وإذا نظرْتَ إلى الشيء ويداك عليه تتفحَصُهُ يُقال: اسْتشَفَّ، وإذا نظرْتَ إلى الشيء، وأنت تتطاول لِتَرى أبعادهُ يُقال: اسْتشْرفَ، وإذا نظرْتَ إلى الشيء مع احْتِقارهِ يُقال: نظر إليه شَزَرًا، وإذا نظَرْتَ إلى الشيء مع المسؤوليّة يُقال: شاهَدَ، ومنه الشاهد، وإذا كانت رؤيتُكَ ليْسَتْ بصَرِيَّةً، بل هي قلبِيَّة يُقال: رأى، فَشَتَّان بين رأى، وبين شاهَدَ، وبين نظرَ شزَرًا وبين لمَحَ، وبين لاحَ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت